منار محمد الرشواني 19/12/1423
مقدمة:
تعتبر سياسات التكيف الهيكلي، أو ما يمكن تسميتها بـ"برامج التكيف الاقتصادي الدولية"، سياسات حديثة التطبيق نسبيًا، حيث ارتبطت نشأتها أساسًا بـ"تفجر أزمة المديونية الخارجية"التي اجتاحت البلدان النامية منذ العام 1982- بإعلان المكسيك، ومن ثم بعض دول أمريكا اللاتينية وإفريقيا، خصوصًا، إضافة إلى دول من آسيا عن عجزها عن القدرة على سداد ديونها الخارجية (1) . وبرغم حداثة عهدها تثير هذه السياسات اهتمامًا كبيرًا على أكثر من مستوى، سواء على المستوى الأكاديمي/البحثي، من خلال العدد المتزايد من الدراسات التي استأثرت بها هذه السياسات، أو على مستوى الحكومات وحتى المنظمات الدولية ذات الاهتمام الاجتماعي والصحي، هذا عدا عن مؤسستي بريتون وودز (Bretton Woods) -صندوق النقد الدولي والبنك الدولي (2) - اللتان تشرفان على تنفيذها. حيث يمكن تفسير هذا الاهتمام في التزايد المطرد في عدد الدول التي تبنت، أو هي في طريقها إلى تبني تلك السياسات من ناحية، والتأثيرات التي تطرحها في التطبيق من ناحية أخرى، والتي لا تقتصر على الجانب الاقتصادي، الذي هو مجالها الأصيل، وإنما تمتد لتشمل الجانبين الاجتماعي والسياسي.
ويعكس هذا الاهتمام الواسع والمتزايد بسياسات التكيف الهيكلي، في الواقع، الجدل حول هذه السياسات من نواح متعددة، تتمثل في الأهداف أو الإجراءات أو النتائج وآثار التطبيق -سواء في التطبيق العملي أو من الناحية النظرية. حيث يرتبط هذا الجدل أساسًا، من ناحية أولى، بآلية الأخذ بسياسات التكيف الهيكلي من حيث هي"مجموعة الإجراءات الاقتصادية الموصى بها من قبل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، والتي تهدف إلى الوصول بالاقتصاد إلى حالة الاستقرار، من خلال معالجة الاختلالات المالية والنقدية التي يعاني منها. وكذلك تحقيق نمو مستمر، من خلال إجراء تعديل على هيكل هذا الاقتصاد" (3) . حيث يظهر هنا تحديدًا التمييز بين سياسات التكيف الهيكلي التي يقوم عليها الصندوق والبنك وبين تلك السياسات التي يمكن أن يطلق عليها"المدخل المستقل (عن الصندوق والبنك) للتكيف والإصلاح الاقتصادي".
فالإصلاح أو التكيف الاقتصادي بصورة عامة، إنما يشير إلى عملية توجيه ومواءمة للاقتصاد الوطني، وفقًا لأهداف مستجدة أو موضوعة سلفًا، لتخفيف أو تجنب الآثار السلبية المتولدة عن طبيعة الاقتصادي الدولي، والتي (عملية التوجيه والمواءمة) تشتمل على أبعاد اقتصادية واجتماعية وسياسية (4) . وإزاء إيجابية مضمون هذه العملية، فلا بد وان تكون عملية مستمرة تأخذ بها الدول على اختلافها، بما فيها الدول المتقدمة.
وبرغم أن هذا المفهوم يمتد ليشمل سياسات التكيف الهيكلي التي يقوم عليها الصندوق والبنك إلا أنه لا يقتصر عليها. ويترتب على هذه الملاحظة نتائج مهمة تتمثل بصورة رئيسية في حجم الآثار الاجتماعية والسياسية وإمكانية التعامل معها، إضافة إلى مدى إمكانية تحقيق الأهداف المتوخاة على الصعيد الاقتصادي، بناء على الأخذ بأحد هذين المدخلين (مدخل الصندوق والبنك، والمدخل المستقل) .
ففي حين، يرتبط تطبيق سياسات التكيف الهيكلي بالدول النامية التي تواجه أزمات اقتصادية ترتب عليها العجز عن سداد مديونيتها الخارجية، بحيث اقتضت إعادة ثقة الدائنين بها، لجدولة ديونها والحصول على تمويل جديد، اللجوء إلى الصندوق والبنك للحصول على شهادة بسلامة أوضاعها الاقتصادية (Seal of Approval) ، بعد التزام هذه الدول بما يسمى بـ"المشروطية" (Conditionality) ، والتي هي عبارة عن اتفاق بين الصندوق والبنك من جهة والدولة المدينة من جهة أخرى، يتم بموجبه ربط استمرار التدفقات المالية الخارجية، من منح وقروض، بإجراء تغييرات في السياسة الاقتصادية للدولة المدينة (5) . ويعبر عن هذا الاتفاق من خلال ما يعرف بـ"خطاب النوايا"الصادر عن حكومة الدولة المعنية، بشكل سنوي، متضمنًا تحديدًا لسياسات التكيف واحتياجات الدولة من التمويل الخارجي والتمويل المتاح من الصندوق والبنك وهيئاته التابعة (6) .وعلى الرغم من أن خطاب النوايا يصدر في النهاية عن حكومة الدولة التي تود الالتزام بسياسات التكيف الهيكلي، إلا أن هذا الخطاب في الواقع ما هو إلا حصيلة مفاوضات بين هذه الحكومة وكل من الصندوق والبنك، تتخذ في النهاية شكل تعهدات ملزمة للحكومة المعنية، تستدعي العقاب المتمثل في وقف التمويل الخارجي (مساعدات وقروض) ، في حال عدم الوفاء بها (7) .