أ.د/إبراهيم عوض
أيها القراء الأعزاء، عدت مرة أخرى للنظر في ترجمة رشاد خليفة للقرآن المجيد وتفسيراته التى يعلق بها على بعض الآيات، وكان حصاد هذه العودة الملاحظات التى أسجلها في هذه الدراسة، تاركًا النظر في الترجمة نفسها ومدى صوابها أو دقتها إلى فرصة أخرى قد تسنح فتسمح لى بالكتابة عنها:
الله عند رشاد خليفة ذو طبيعة مادية:
فعلًا الله عنده ذو وجود مادى، فهو سبحانه (كما يصور"بسلامته"الأمر لنا) قابع فوق السماوات لا ينزل لما دونها، تاركا المهمات الصغيرة للملائكة ومحتفظا لنفسه منها بالكبير الذى يناسبه، إذ إن"عالمنا لا يتحمل وجود الله المادّىّ فيه" ("الوجود المادى": لاحظوا) . أرأيتم الهناء الذى نحن فيه؟ كأننا في ديوان حكومى، ومع وكلاء وزارات ومديرين عامّين يحتفظون لأنفسهم بالطوابق العليا والأمور المهمة، أما مهمات الأرشيف واستقبال المترددين على الديوان وقضاء مصالح المواطنين اليومية (أو بالأحرى تعطيلها وعرقلتها و"فُتْ علينا غدًا يا سيِّد"!) وما أشبه، فهذا من شأن الموظفين السَّكَّة الذين لا يزيد ثمن العشرة منهم عن قرش صاغ والذين يتكدسون في الدور الأرضى والبدرون! والحجة التى يستند إليها الجاهل في أن الملائكة تقوم بالمهمات الصغيرة تحت السماوات السبع هى استعمال ضمير الجمع في كلمة"وزَيَّنّا"من قوله تعالى في الآية 12 من سورة"فُصِّلَتْ":"فقضاهنّ سبع سماوات في يومين وأَوْحَى في كل سماء أمرها، وزيّنّا السماء الدنيا بمصابيحَ وحِفْظًا. ذلك تقدير العزيز العليم"بما يعنى في فهمه الكليل أن الملائكة قد اشتركت مع الله في تزيين السماء الدنيا بالمصابيح. وفات هذا الجاهلَ أنه بهذه الطريقة قد أدخل الله مع الملائكة في ضمير واحد، وكأنه سبحانه واحد منهم، مع أن المسألة أبسط من هذا كثيرا، إذ ما أكثر الآيات التى تَسْتَخْدِم، في الكلام عن رب العالمين، ضمير الجمع كما هو معلوم حتى لأصغر طفل يقرأ القرآن! وإليكم ما قاله"رسول الميثاق الأفاق"فى تعليقه على تلك الآية:"God alone created the universe (18:51) , but the angels participated in handling certain jobs in the lowest universe. Our universe cannot stand the physical presence of God (7:143) . The plural tense acknowledges the angels' role in our universe". الواقع أن هذا لون من الشرك الجلف الذى لا يستحى صاحبه من رَمْى المسلمين به لمجرد أنهم يحبون رسولهم ويصلّون ويسلّمون عليه. ولقد قال"مسيلمتنا"بكل صراحة في موضع آخر (هو تعليقه على الآية 90 من سورة"الأنبياء") إنه ما من مرة استعمل القرآن ضمير الجمع إلا وكان المقصود به الله والملائكة معا:"The use of the plural tense throughout the Quran indicates participation of the angels. It is clear from 3:39 and from the Bible that the angels dealt with Zachariah extensively, as they gave him the good news about John."، فما قوله إذن في الآيات القرآنية التالية التى يستعمل فيها الله ضمير الجمع الخاص بالمتكلم ولا يمكن أن يكون الملائكة داخلين فيه بأى حال؟:"وإذ قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم" (البقرة/ 34. وهذه الآية وحدها كافية في إبطال هذا التفسير السخيف الكافر تماما، إذ لا يمكن أن يدخل الملائكة مع الله في حديثه إليهم) ،"ولو أننا نزَّلنا إليهم الملائكة..." (الأنعام/ 111. وهذه أيضا كسابقتها، لأنه من غير المستطاع أن تشترك الملائكة في تنزيل أنفسها إلى البشر) ،"أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون؟" (الصافات/ 150. وهذه أشد من سابقتيها، فلا شىء يستطيع أن يخلق نفسه إلا في منطق البهلوان رشاد أفندى) ،"ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين" (المؤمنون/ 12. ومعروف أن الله حسب عقيدة الإسلام هو الذى خلق كل شىء، ولا يشاحّ في هذا أحد ممن يؤمن بالقرآن) ،"ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون" (البقرة/ 52. والعفو هو من اختصاص الله سبحانه) ،"فغفرنا له ذلك، وإن له عندنا لَزُلْفَى وحُسْن مآب" (ص/ 24. والغفران هو كذلك من اختصاص الله، لا مدخل لمخلوق فيه) ،"إنا نحن نحيى ونميت، وإلينا المصير" (ق/ 43. وقد نص القرآن في أكثر من موضع على أن الله هو الذى يحيى ويميت لا يشاركه في ذلك أحد آخر) ... وهذا وأشباهه في كتاب الله غزيرٌ جِدُّ غزير، علاوة على أن القرآن كثيرا ما يعطف الملائكة على الله بما يدل على أنه لو كان"أفّاقُ الميثاق"صادقا لاكتفى القرآن بالضمير"نا"فى كل مرة!