ذهبت منذ أيام أزور المستشفى الإسلامي الكبير، الذي تعاونت على إنشائه الجمعيات الإسلامية الأربع في دمشق. فوجدت شيئاً عظيماً يرفع الرأس، بناء ضخماً يطل على الربوة من هنا ويشرف على سهل المزة من هناك، قد قام حيث كانت تقوم تلك (القلاع العادية، فكان من تمام نعمة الله علينا به أن تخير له هذا المكان، فأبدلنا بعمارات الموت، وبنايات البلاء، تلك القلاع، هذا المستشفى، بيت الصحة، ودار الشفاء) وجعل المدير، وهو شاب مسلم رضي الخلق، واسع الخبرة، يدور بي في المستشفى، ويمر بي على شعبه، حتى إذا وصلنا إلى جناح الأمراض العقلية قال لي إن هاهنا مريضاً يلح علينا أن ندعوك إليه، وهو لا يفتأ ينادي باسمك ويرجو أن يراك.
قلت: ومن هو؟ وما شأنه بي؟!
قال: هو شاب مصاب بنوع من الهستريا الجنسية، وهو يزعم أنه تلميذك، وأنه وثيق المعرفة بك.
فلم أحب أن أخيب رجاءه، وإن كنت لا أدري ما أصنع له، وانطلقت مع المدير حتى دخلت عليه، فإذا هو شاب حديث السن، شاحب اللون، بادي الضعف، شارد النظرات مسجّى، لا يبدو منه إلا وجهه، فتأملته... فإذا هو قد كان تلميذاً لي. وإذا أنا أعرفه فسلمت عليه فرد السلام. وابتدرني فقال لي أنت أستاذي، وإني أترقب مجيئك.. إن لي حاجة إليك.
قلت: مقضية إن كنت أقدر عليها.
فظهر على وجهه خيال البشر، ولاحت على شفتيه ظلال ابتسامة... وقال لقد نعشتني وبشرتني، إن الذي أريده منك هو أن تعي حديثي وتنشره في الناس ألا تقدر على ذلك.
قلت: بلى أقدر إن شاء الله.
قال: إنه خبر لا يكاد يصدقه أحد، ولكني أحلف لك أنه واقع، وإذا شككت فاسأل القرية، أتعرف قرية الجمالية؟
قلت: ما سمعت بها إلا الآن
قال: لقد أردت أن ابتعد عن مرابع المصطافين ومواطن الازدحام إلى بلد أطلق فيه نفسي على سجيتها، لا أقيدها بقيد عادة ولا واجب مجاملة، فأممت بحيرة العتيبة، ثم صعدت جبل عيرام، حتى بلغت هذه القرية المختبئة في كنف واد عميق لا يصل البصر إلى قرارته، يرى في بطنه نهر العامون متحدراً هائجاً يقفز من صخرة إلى صخرة، فيكون له دوي وخرير، ويعلوه الزبد فتراه من خلال الأشجار، وأنت في القرية كأنه البلور المذاب، وإذا كنت قد رأيت في زمانك بلوراً مذاباً، يحمي هذا الوادي المسحور جبلان عاليان تنطح ذراهما النجم، وقد لبست سفوحهما وحدورهما ثوباً من الشجر الأخضر، توارت خلاله هذه القرية، واتخذت فيها داراً سلخت فيها شهراً من شهور الصيف، لم أعرف السعادة إلا فيه، ولم أدر حتى عشته ما لذة العيش وما الاطمئنان، فلقد كنت أغدو مع النور فأصعد في الجبل أحيي الشمس البازغة حين تشرق على الدنيا، وأهبط الضحى إلى بطن الوادي فأتخذ لي مكاناً على صخرة عالية، أو أقعد على حافة النهر الفياض، وكنت في أكثر الأيام أضع طعامي في سلّة وأرتاد المرابع، فحيثما استطبت المكان أقمت، وكنت أحمل معي كتاباً أقرأ فيه مرة، وفي مصحف الكون أخرى، فأمتع النظر بأعجب المشاهد وأبهى المرائي، ثم أروح العشية إلى داري، وقد طفحت نفسي بصور الجمال، وفاض جسمي بالعافية… حتى جاء ذلك اليوم الذي صبّ في كأس حياتي العلقم.
لقد صعدت الجبل على عادتي حتى جاوزت حدود القرية وقاربت ينبوع البارة، وبلغت الغابة المهجورة التي تطيف به، فما راعني إلا الحجارة تتساقط من حولي كأنها المنجنيق، تنزل دراكاً نزول رصاص الرشاشات، فحرت لحظة ثم وليت هارباً أعدو ما أطقت العدو حتى وصلت إلى صخرة فاحتميت بها وجعلت أنظر: ما خبر الحجارة! فأسمع قهقهة مرعبة... فأحسب أن الجن تروعني... ثم أرى امرأة تخرج من بين أشجار الغابة وتسير حذرة تتلفت فلما صارت قريبة مني رأيتها وهي لا تراني فإذا هي سمراء محلولة الشعر ذات جمال يروع الناظر ويأسر القلب، لها عينان سوداوان واسعتان... إذا نظرت بهما إليك أحسست بهما في الفؤاد، وجسم ممشوق قد لوحته الشمس، وما عليها إلا أسمال بالية لا تكاد تستر إلا الأقل منها، فكأنما جسمها فيها البدر قد حجبته قطع من المزن الرقراق.
وقد وقفت كالغزال المذعور، لا أقولها كما يقولها الأدباء المقلدون، بل أعني ما أقول، ولا أجد صفة هي أدنى إليها وأعلق بها... وجعلت تنظر حواليها.. فلما اطمأنت ألقت حجارتها التي كانت تحملها وقعدت على الأرض، ونظرت إليها، فإذا ذلك الغضب الفاتن يسقط برقعه عن وجهها ويسدل عليه نقاب من الألم، الألم الحزين قد افتنّت فيه يدا عبقريّ وعقله... فخرجت من مكاني وسرت إليها متلصصاً أسارق الخطو حتى إذا كدت أصل إليها وأضمها، أحسّت بي فوثبت وثبة ابتعدت بها عني، ثم عدت تلقاء الغابة… وجعلت أرتاد هذا المكان كل يوم أفتش عنها وأطلبها حتى أنست بي واتصل بيننا الحديث... فسمعت لهجة فتاة ليست من بنات القرى ولا الجاهلات ولكن حديثها حديث المجانين.
سألتها ما شأنها وأحببت أن أعرف خبرها فكانت تجيبني بكلام لا يعقل.