فهرس الكتاب

الصفحة 14433 من 27345

"في رسائل النور" (5)

بقلم: أديب الدباغ

كان"المجتمع النبوي"نزاعًا بكل جوارحه نحو"الكمال المطلق"الخالص من الأهواء البشرية في"العدل والحق"وكل القيم الأخرى التي جاء بها الإسلام.

وكانت"الدولة"تعكس - من خلال ممارساتها لشؤون الحكم - هذا النزوع وتسعى مخلصة للتحقق بهذا الهدف السامي.

فالمحاولة الجادة والمخلصة للتحقق بـ"المطلق"من كل شيء، واستشراف آفاقه، والنظر إلى الأشياء بمنظاره، ووزن الرجال بميزانه، والحكم عليهم بمقاييسه، هو سمه العصر النبوي وطابعه العام.

فكل صفة إيمانية لا تبذل جهدها للاستمداد من"المطلق"ولا تحاول - في الممارسة - الارتقاء إليه تظل دون المستوى المطلوب بمقاييس هذا العصر.

فالشجاعة - مثلًا - مطلوبة من كل مؤمن، ولكن الشجاعة لا تبلغ"المطلق"حتى تتحول - عند الحاجة - إلى شهادة، والشهادة نفسها تبقى دون الكمال ما لم تكن خالصة لوجه الله.

والسخاء صفة المؤمنين جميعًا، ولكن السخاء إيثار الغير على النفس إذا اقتضت الضرورة ذلك.

و"طلب العلم فريضة على كل مسلم"كما ورد في الحديث (7) ولكن طالب العلم هالك ما لم يطلبه لله ويكرسه في سبيله.

و"العدل"صفة لابد من توفرها في"الحاكم المؤمن"ولكن"العدل المطلق"في المجتمع النبوي كما يريده الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته، لم يكن ليراه الناس عيانًا، ويتمثلوه واقعًا، حتى يرتقي"بلال"الكعبة ويؤذن في الناس للصلاة، وحتى يصبح"سلمان"- مجازًا - من آل البيت، إكرامًا له، وتسرية عنه.

وإقامة صرح"الحق"بين الناس من أوجب وجائب السلطة الحاكمة، ولكن"الحق المطلق"لم يستبن للناس تمامًا ولم يقف الرسول صلى الله عليه وسلم بين الناس كاشفًا عن ظهره الشريف يقول:-

(من جلدت له ظهرًا فهذا ظهري فليجلده...) (8) إلى آخر الحديث.

فالعصر النبوي - كما رأينا - هو أقرب عصور التاريخ الإسلامي إلى القيم المطلقة التي جاء بها الإسلام وعاشها المسلمون.

وما كان ذلك ليكون، لو لم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم حيًا قائمًا بين ظهراني أصحابه يأتيه"الوحي"من عند الله - جل وعلا - قرآنًا مبينًا لمعالم"المطلق البشري"فيما ينبغي أن يتصف به المؤمن من صفات، ويأتيه من أفعال.

فالمجتمع النبوي - بهذا الاعتبار - مجتمع موقوف على حدود"المطلق"، وموزون بموازينه، ومحكوم بأحكامه، وقائم على قواعده.. وأي فعل يأتيه"الحاكم"أو"المحكوم"قاصرًا عن"المطلق"- مهما كانت درجة هذا القصور ضئيلة - سيحدث شقًا عظيمًا في جسم المجتمع يؤدي به إلى ما لا يحمد عقباه، حتى لو كان هذا"القصور"المأتي، لا يشكل من مجموع"الكمال"المطلوب سوى جزء واحد من عشرة أجزاء منه.

فهذا العشر الهين ربما تسبب في هلاك الناس كما جاء في تحذيره صلى الله عليه وسلم لأصحابه في الحديث الشريف:

(إنكم في زمان من ترك منكم عُشر ما أمر به هلك، ثم يأتي زمانٌ من عمل منهم بعشر ما أمر به نجا) (9) .

فإذا كان عصر"القيم المطلقة"الزاهر قد مضى وانقضى بانتقال الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، إلا أن ظلاله وصوره بقيت تُظل العصور التي تلته الواحد بعد الآخر بدرجات متفاوتة بحسب قرب العصر أو بعده عن عصر الرسالة العظيم الذي ترك أعمق الأثر في ذاكرة الأمة وعقلها الباطن، واستطاع أن يشد إليه روح الأمة وضميرها بروابط قوية من الحرمة والإعجاب والتعظيم، حتى غدا - عصر الرسالة - ميزانًا حساسًا تزن به الأمة حكامها، وتحكم عليهم سلبًا أو إيجابًا على قدر قربهم أو بعدهم عن روحه ومثله، وقد بلغ من حساسية المجتمع بعصر النبوة وقيمه في العقود الأولى التي تلته أن يخاطب الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه الناس من فوق المنبر قائلًا:

"يا معشر المسلمين! ماذا تقولون لو ملتُ برأسي إلى الدنيا كذا (وميَّلَ رأسه) "

فقام إليه رجل فقال: أجل، كنا نقول بالسيف كذا (وأشار إلى القطع) !

فقال: إياي تعني بقولك؟

قال: نعم، إياك أعني بقولي.

فقال عمر: رحمك الله، والحمد لله الذي جعل في رعيتي من إذا تعوجت قومني" (10) ."

هكذا، ليس بألسنتنا... ولا بأي شيء آخر دون السيوف.. وإنما بسيوفنا... ومن دون أية مقدمات.. وسنرى فيما بعد كيف استنطق الناس سيوفهم في تقويم الانحرافات... بل أحيانًا اقل الانحرافات شأنًا...

وما ذلك إلا لأن جلة من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، من المقربين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمرافقين له في حله وترحاله، وممن كانوا قد تربّوا ونشؤوا في حجر"النبوة"وعاشوا يقبسون من أنوارها ويلتمسون من آثارها وتعاليمها أصبحوا - فيما بعد - من أشد الناس تعلقًا بعصر الرسالة، وأكثرهم تشبثًا به، وأعظمهم رغبة في الإبقاء على روحه حياء بينهم، حتى إنهم وجدوا في تعطيل هذا العشر من"العدل والحق"أحيانًا -الذي أشار إليه الرسول صلى الله عليه وسلم- سببًا كافيًا لا متشاق السيوف وإهدار الدماء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت