رئيسي:الرقائق:
لقد وجه القرآن الكريم المسلمين نحو الوعي بعالم الشهادة، فحثهم على النظر والتدبر والاستقراء؛ للكشف على قوانين المادة وسنن الاجتماع، كما نبّه إلى أهمية التعرف على السنن التاريخية، والإفادة من ذلك في الاعتبار وبناء الحضارة، وكيفية المحافظة عليها من السقوط.
وقد أرشد القرآن الكريم إلى هذه السنن، فذكرها نصًّا في بعض الأحيان كقوله تعالى:قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ [137] } [سورة آل عمران] . وأحيانًا أخرى فهمت من النص دلالة وفحوى كقوله تعالى: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [10] } [سورة الأنعام] .وذكرها تارة مضافة إلى الله كقوله تعالى: ... سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ [85] } [سورة غافر] . وذكرها تارة أخرى مضافة إلى أقوام كقوله تعالى: ...إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ... [55] } [سورة الكهف] .
وهذه السنن صارمة؛ تتسم بالاطراد والشمول والثبات، قال تعالى:...فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا [43] } [سورة فاطر] . وقال تعالى: سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا [77] } [سورة الإسراء] .
فينبغي إذنْ معرفتها وتدبرها واستيعابها والاستفادة منها، لقوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [26] } [سورة النساء] . ومن خلال السنن في كتاب الله، وسنة رسوله نفهم التاريخ على حقيقته، ونعرف عوامل البناء والأمن والاستقرار والتقدم، وعوامل الهدم والخوف والانحطاط والتخلف.
وهذه السنن مرتبطة بالأمر والنهي، والطاعة والمعصية، والإيمان والكفر، والتوحيد والشرك، فالإنسان إذا أتى الأمر واجتنب النهي ووقف عند حدود الله، أصاب خير السنة الربانية، وإذا أهمل الأمر وخالفه، وارتكب المنهي عنه، ووقع في حدود الله، أصاب شر السنة الربانية.
وقد انتبه إلى أثر السنن في المجتمعات والاعتبار بها ابن تيمية رحمه الله فقال:'ومن هذا الباب صارت قصص المتقدمين عبرة لنا، ولولا القياس واطراد فعله وسنته؛ لم يصح الاعتبار بها؛ لأن الاعتبار إنما يكون إذا كان حكم الشيء حكم نظيره كالأمثال المضروبة في القرآن' [ جامع الرسائل، ص 55] .
إن معرفة أثر السنن في الأنفس والمجتمعات ضروري لمعرفة طبيعة هذا الدين، وطبيعة الجاهلية المقابلة... وقد جاء الحديث عنها في القرآن المكي، في مواضع كثيرة، وجاء تصويرها في مواقف كثيرة؛ ليفهم المسلمون طبيعة الصراع بين الجاهلية والإسلام على حقيقته، وليكونوا على بيّنة من مباينة السبل، واختلاف المناهج والتوجهات والأهداف بينهم وبين الكافرين، ومن أمثال ذلك: قوله تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ [13] وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ [14] } [سورة إبراهيم] .
وقوله تعالى: { قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ [88] قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ [89] } [سورة الأعراف] .
ومن هنا تأتي أهمية ربط عمل الدعاة بالجهد والعمل وفق السنن التي لا تحابي، فالنتائج التي قد يتطلع إليها أكثر المؤمنين إيمانًا سوف يجنيها أكثر الكافرين كفرًا ، إذا وافق المقدمات الصحيحة المؤدية إليها، وربط الأسباب بمسبباتها، بينما ينتظرها المؤمن ارتكازًا على إيمانه وحده واعتمادًا على ورعه وتقواه، دون أن يطلبها من مقدماتها التي خلقها الله طريقًا إليها، فأنى يستجاب له! .