فهرس الكتاب

الصفحة 4439 من 27345

... مقالات متفرقة

إعداد: وليد عباس

كثيرًا ما تُصاب النفوس بآفات خطيرة من شأنها أن تؤثِّر سلبًا على سلوكها وأفكارها وموازينها. ولعلّ أخطر هذه الآفات أو الأمراض: ظاهرة الاتّباع الأعمى الذي لا ينمّ إلاّ عن تعصّب لكبير من الكبراء أو أحد الزعماء أو لمسؤول أو لشخص فلان أو لرأي شيخ بغضِّ النظر عن مدى استقامة هذا الشيخ أو مدى صواب رأي ذاك الزعيم. وحتى العامل للإسلام قد يُصاب بهذا المرض دون أن يدري بالرغم من إصراره على ألاّ يوصف بالتعصب أو التبعية العمياء، ففي هذه الحالة يكون المرض عنده في بدايته وبالتالي فمن السهل استئصاله من نفسه قبل أن يستشري. لذا فسيجد عموم المسلمين وحتى العاملون للإسلام، رجالًا ونساءً، بين ثنايا هذا الموضوع بحثًا مفصَّلًا عن خطورة هذه الظاهرة وسوء مآلها تمامًا كما وصفها القرآن الكريم.

يقول الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز: {ومن الناس من يتّخذُ من دون الله أندادًا يحبّونهم كحبِّ الله والذين أمنوا أشدُّ حُبًّا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرَوْن العذاب أنّ القوّةَ لله جميعًا وأنّ اللهَ شديدُ العذاب * إذ تبرَّأ الذين اتُّبِعوا من الذين اتُّبعوا ورأَوْا العذابَ وتقطَّعت بهم الأسباب * وقال الذين اتَّبعوا لو أنّ لنا كَرّةً فنتبرّأ منهم كما تبرَّءوا منّا كذلك يُريهم اللهُ أعمالَهم حَسَرات عليهم وما هم بخارجين من النار} [البقرة: 165 ـ 167] .

فالآيات الكريمة تجسّد الصورة الحقيقية لما عليه هذه الفئة من ضلالٍ ناتج عن اتّباعهم الأعمى لبشرٍ أمثالِهِمُ وحبّهم لهم كحبّ الله، وتصوِّر لنا المصير الأليم الذي يلقهاه هؤلاء وما يكونون عليه من ندم وحسَرات عند ملاقاة مصيرهم المشؤوم.

إذًا، فالتبعية هي ظاهرة خطيرة ومشكلة رافقت البشرية منذ ظهورها، وقد كانت عبر الأزمنة تختلف أشكالًا وأنواعًا في التابع والمتبوع، ولكنّ الملاحظ لسيَر الأمم في التاريخ من خلال العرض القرآني أنّ هذه الأنواع وهذه الأشكال تنقسم في حقيقتها إلى معسكَرَيْن اثنَيْن:

الأول: أناسٌ يتّبعون بعضهم ويتعاونون فيما بينهم لتبليغ دين الله والدعوة إليه وهم الأنبياء والرُّسُل ومَن سار على نهجهم. وفي الجهة المقابلة أتباعٌ ومتبوعون يقودهم إبليس لمحاربة الحقّ ونشر الفساد في الأرض، وإن تمثّلت هذه القيادة يومًا في زعيم من البشر أو صنم من الحجر ولكنها دائمًا شيطانية، تسخِّر جميع إمكاناتها من أجل دعوة الناس بمختلف الوسائل (ترهيبية وترغيبية) لإجبارهم على السير في رَكْبها ودعم مسيرتها.

(لقد كانوا على عهد المخاطَبين بهذه الآيات أحجارًا وأشجارًا، أو نجومًا وكواكب، أو ملائكة وشياطين... وهم في كل عهد من عهود الجاهلية أشياء أو أشخاص أو إشارات أو اعتبارات ... ولكنها شِرْك خفي أو ظاهر، إذا ذُكِرت إلى جانب اسم الله، وإذا أشركها المرء في قلبه مع حبّ الله. فكيف إذا نزع حب الله من قلبه وأفردَ هذه الأنداد بالحُبِّ الذي لا يكون إلا لله؟

لذا نجد أنّ العلامة الفارقة التي تميِّز المؤمنين عمّن دونهم أنهم لا يحبون شيئًا كحبهم لله، لا أنفسَهم ولا سواهم، لا أشخاص ولا اعتبارات ولا شارات، ولا قيمًا من قيَم هذه الأرض التي يتكالب عليها معظم الناس إلا مَن رحم ربي).

ففي هذا السياق يصفهم ربّهم بأنهم أشدُّ حبًّا له من أنفسهم وأهليهم والناس أجمعين: {والذين آمنوا أشدُّ حبًا لله} ، فحبّهم لبارئهم حبٌّ مُطلقٌ من كل موازنة، ومن كل قيد. هم أشدّ حبًا لله من كل حبّ يتّجهون به إلى سواه. والتعبير هنا بالحُب تعبير جميل فضلًا عن كونه تعبيرًا صادقًا. فالصلة بين المؤمن الحقّ وبين الله هي صلة الحب، صلة الوشيجة القلبية والتجاذب الروحي، صلة الموَدّة والقُربى، صلة الوجدان المشدود بعاطفة الحُب المشرق الوَدود.

تلك الصورة المشرقة للقلب المؤمن المتجرِّد إلاّ من حبّ الله، تقابلها الصورة المظلمة التي أشرك أصحابها مع الله آخرين، أولئك الذين اتّخذوا من دون الله أندادًا، فظلموا الحق، وظلموا أنفسهم... ولو مدّوا بأبصارهم إلى يوم يقفون بين يدي الله الواحد، لو تطلّعوا ببصائرهم إلى يوم يرَوْن العذاب الذي ينتظر الظالمين! لو أبصروا بعين البصيرة لرأوا {أنّ القوة لله جميعًا} فلا شركاء ولا أنداد {وأنّ الله شديد العذاب} .

لو يَرْون كيف تبرّأ المتبوعون من التابعين، ورأَوْا العذاب، فتقطعت بينهم الأواصر والعلاقات والأسباب، وانشغل كلٌّ بنفسه تابعًا كان أم متبوعًا، وسقطت الرياسات والقيادات التي كان المخدوعون يتبعونها اتباعًا أعمى وعجزت عن وقاية أنفسها فضلًا عن وقاية تابعيها وظهرت حقيق الألوهية الواحدة والقدرة الواحدة وكَذِب القيادات الضالة وضعفها وعجزها أمام الله سبحانه وأمام العذاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت