التوبة لغة: من تاب يتوب إذا رجع .
وشرعًا: الرجوع من معصية الله إلى طاعته , فليس بين الطاعة والمعصية منزل , كما أنه ليس بين الجنة والنار منزل .
وأعظمها وأوجبها: التوبة من الكفر إلى الإيمان , قَالَ تَعَالَى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ (38) } [سورة الأنفال: 38]
ثم يليها التوبة من البدعة إلى السُّنة , والتوبة من كبائر الذنوب وصغارها .
فالتوبة هي بداية العبد ونهايته , وحاجته إليها في النِّهاية ضرورية كما أن حاجته إليها في البداية كذلك , وقد قَالَ الله تَعَالَى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [سورة النور: 31]
وهذه الآية في سورة مدنية خَاطَبَ الله بها أَهْلَ الإيمان وخيار خلقه ؛ أن يتوبوا إليه بعد إيمانهم وصبرهم وهجرتهم وجهادهم , ثم عَلَّق الفلاح بالتوبة تعليق المسبب بسببه , وأتى بأداة لعل المشعرة بالترجي إيذانا بأنكم إذا تبتم كنتم على رجاء الفلاح , فلا يرجو الفلاح إلا التائبون - جعلنا الله منهم .
وقال الله تَعَالَى: {وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [سورة الحجرات: 11]
فقد قَسَّم سبحانه وتعالى العباد إلى تائبٍ وظالمٍ , وما ثم قِسْمٌ ثالث ألبتة , وأوقع سبحانه وتعالى اسم الظَّالم على من لم يتب , ولا أظلم منه لجهله بربه وبحقه , وبعيب نفسه , وآفات أعماله .
وقد جعلها سبحانه وتعالى علامة على فلاح العبد وهدايته , وعنوانًا على صِدْقِ عبوديته , قَالَ تَعَالَى: {وَأَنْ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} [سورة هود: 3]
وقال تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذين آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا } [سورة التحريم: 8]
وقد كان النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يكثر من التوبة ويحث عليها .
عَنْ الْأَغَرِّ الْمُزَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا أَيُّهَا النَّاس تُوبُوا إِلَى اللَّهِ فَإِنِّي أَتُوبُ فِي الْيَوْمِ إِلَيْهِ مِائَةَ مَرَّةٍ . (1 )
والله سبحانه وتعالى يحب التائبين ويفرح بتوبتهم .
{ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [سورة البقرة: 222]
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ من أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ , وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ , فَأَيِسَ مِنْهَا , فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ من رَاحِلَتِهِ , فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ , فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ من شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي , وَأَنَا رَبُّكَ ؛ أَخْطَأَ من شِدَّةِ الْفَرَحِ. ( 2)
ومن عظيم كرمه ومَنِّهِ بعباده ؛ أنه سبحانه وتعالى يمهل عبده إن أساء بالنهار , ويدعوه إلى التَّوبة , ويبسط يده بالليل ؛ طالبًا عبده بالرجوع إليه , وكذلك مذنب الليل يمهله إلى النَّهار ؛ بل يظلُّ الباب مفتوحًا إلى قبيل قيام الساعة .
عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ , وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ , حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ من مَغْرِبِهَا . (3 )
والأمر في حقِّ العبد إلى أن تصل الرُّوح إلى الحلقوم .
عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ . ( 4)
ولما كانت التَّوبة هي رجوع العبد إلى الله , ومفارقته لصراط المغضوب عليهم والضَّالين ؛ وذلك لا يحصل إلا بهداية الله له إلى الصِّراط المستقيم , ولا تحصل هدايته إلا بإعانته وتوحيده , فلا تستقيم العبودية إلا بالتوبة النَّصوح , فإن الهداية التامة إلى الصِّراط المستقيم ؛ لا تكون مع الجهل بالذنوب , ولا مع الإصرار عليها , بل بشعور العبد الدَّائم بعظم تفريطه , وسوء حاله إن لم يرحمه ربه سبحانه وتعالى , فلذلك لا تصح التوبة إلا بعد معرفة الذنب والاعتراف به , وطلب التخلص من سوء عواقبه أولًا وآخرًا , ومتى اعتصم العبد بربه نصره على نفسه وعلى الشيطان , قَالَ تَعَالَى: {وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} [سورة الحج: 78]