فهرس الكتاب

الصفحة 6427 من 27345

أحمد فهمي:

كانت عودة الحجاب ملمحًا أساسًا من ملامح الصحوة الإسلامية في مرحلتها المعاصرة التي تبدأ من سبعينيات القرن العشرين، وأصبح الحجاب رمزًا من رموز الصحوة وشعارًا من شعاراتها.

والآن ـ وبعد ما يقرب من ثلاثين عامًا، تنوعت وتعددت فيها أشكال المواجهة وميادينها بين الصحوة وأعدائها ـ لا تزال راية الحجاب ترفرف في ساحة المعركة، ولكن على نحوٍ يختلف كثيرًا عما كانت عليه في السبعينيات في أكثر المجتمعات الإسلامية؛ وهذا الاختلاف في مسألة الحجاب هو ما نحن بصدد توصيفه وتقويمه في هذه الصفحات.

ولأن الواقع لا يعطي معانيه ولا يكشف أسراره إلا بإضافته إلى ما قبله من الزمن، فلا بد من إضافة بُعدٍ تاريخي يسير بقدر ما يكشف لنا الدورة الكاملة لنشوء الحجاب وتراجعه.

الأبعاد التاريخية لمعركة الحجاب والسفور في المجتمعات الإسلامية:

يروق للمحللين والعلمانيين المحليين كلما طرحت قضية الحجاب أن يُغرِقوا في التساؤل عن الدوافع والأسباب وراء انتشار هذه الفريضة المتزايدة منذ السبعينيات، وهذا تساؤل معكوس حقيقة، لا بد معه من إضافة البعد التاريخي حتى نرى الأشياء في سياقها الحقيقي، فيصبح التساؤل الصحيح عن الدوافع والأسباب الكامنة وراء تخلي المرأة المسلمة عن حجابها؛ فانحرافٌ فرعيٌّ في التاريخ لا يتجاوز سبعين أو ثمانين عامًا (متوسط عمر رجل واحد) ، لا يمكن بحال أن يقضي على أصلٍ متجذِّر منذ ما يزيد على ثلاثة عشر قرنًا من الزمان كشجرة ضخمة فرعها ثابت، وأصلها في السماء.

ومن الشواهد العجيبة على هذا الانتقال التعسفي التاريخي من الحجاب إلى السفور أن بعض رواده الكبار (الأصاغر) يشعر المتأمل في سيرة أحدهم كأنه يقرأ عن شخصين، الأول: يرفع راية الحجاب ويدافع عنه، والثاني: يعادي الحجاب ويرفع راية السفور، ونذكر مثالين على ذلك: الأول من مصر، والثاني من تونس.

ففي مصر: كان أول كُتُبِ قاسمِ أمين:"المصريون"دفاعًا حماسيًا عن فضائل الإسلام على المرأة المصرية، ورفعًا من شأن الحجاب، ثم لما تمت إعادة برمجته على أيدي رواد صالون نازلي، أصدر كتابيه:"تحرير المرأة"،"المرأة الجديدة"، وجعل من نفسه الداعي الأول لفتنة التبرج بين المسلمين.

وفي تونس: سنة 1929م وقف شاب عمره يومذاك 26 سنة ـ في إحدى الندوات ـ يرد على امرأة سافرة تدعو إلى تحرير المرأة، فقال:"الحجاب يصنع شخصيتنا، وبالنسبة لخلعه: جوابي هو الرفض، وارتفع الضجيج في القاعة، وانتقل الجدال إلى الصحف، وتابع الشاب الدفاع عن الحجاب بنشر مقالات في صحيفة تونسية فرنسية، ولم يكن هذا الشاب سوى المجاهد الأكبر الحبيب بورقيبة نفسه الذي قام في اليوم التالي للاستقلال بسحب غطاء الرأس عن النساء التونسيات" (1) .

وسار كثيرون في أنحاء العالم الإسلامي على نهج قاسم أمين فأصدروا كتبهم المسمومة، مثل كتاب:"امرأتان في الشريعة والمجتمع"للطاهر الحداد في تونس سنة 0391م، و"السفور والحجاب"لنظيرة زين الدين في سوريا في العشرينيات.

واستمرت جهود المثقفين والمفكرين ـ المتبنين للمنهج التغريبي ـ طيلة الحقبة الاستعمارية في الترويج للتبرج حتى أصبح واقعًا مفروضًا إلى جوار الحجاب، ولما أن أتى عهد الاستقلال وتولى القوميون زمام الأمور عملوا ما عجز عنه الاستعمار، وعمدوا إلى القضاء على البقية الباقية من الحجاب في بلادهم.

يقول صحفي ألماني واصفًا فترة إقامته في مصر من 1956 ـ 1961م:"ويكفي أن تعلم أنه منذ عشرين عامًا فقط كانت كل النساء تقريبًا يرتدين الحجاب، أما اليوم فإنه حتى في أكثر المناطق شعبية لم نعد نرى الحجاب" (2) .

وفي سوريا مزق رجال"البعث"الحجاب في شوارع دمشق، ومنعوا المحجبات من دخول المدارس بحجابهن (3) .

وفي الجزائر دعا"بن بيلا"الجزائريات إلى خلع حجابهن، وقال: إنني أطالب المرأة الجزائرية بخلع الحجاب من أجل الجزائر! (4) ، فخرجت العذارى المحاربات من بيوتهن، ونزعن الحجاب لأول مرة منذ أن اعتنقت بلادهن الإسلام (5) .

وحقق العهد الاستقلالي في المغرب ما لم يستطعه الاستعمار في عشرات السنين (6) .

أما المجاهد بورقيبة فبزَّ أقرانه في حرب الحجاب، وأصدر مرسومه الشهير (108) بمنع الحجاب في المؤسسات الرسمية للدولة، ودعا التونسيات ألا يُشْعِرْنَ السياح الأجانب بالغربة في بلادهن (7) ، ولا يزال الحجاب محاربًا بشدة حتى الآن في تونس، ولكن ما أن بدأ تهافت الفكر القومي مع هزيمة يونيو 1967م، حتى عاد الحجاب يتربع على عرشه المسلوب من جديد، وما أصدق القائل:"إن الحجاب لم يكن ثمرة النكسة بقدر ما كانت النكسة ثمرة التخلي عن الحجاب كمظهر من مظاهر التخلي عن الإسلام" (8) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت