فهرس الكتاب

الصفحة 17813 من 27345

عامل البناء يصبح"بروفيسور"

حكاية عادية أن يتحول تلميذ عبقري تحت ضغط الظروف المعيشية الصعبة إلى"عامل بناء"ليعول أسرة من 13 فردًا، لكن غير العادي أن يظل شيء ما يهتف داخله: لم تخلق لهذا.. ويظل الصوت يعلو رويدًا رويدًا إلى أن يصنف الفلسطيني"ماجد إغبارية"عام 1997م الباحث الأول عالميا في مجال الأنظمة المعلوماتية وحتى آخر يوم في حياته 3-8-2002م.

أخ حانٍ وتلميذ صموت

وُلِد البروفيسور"ماجد حردان إغبارية"في 16 شباط/ فبراير 1958م في قرية معاوية، بمدينة أم الفحم - فلسطين 48، لوالدين فقيرين، فقد والدته عام 1967م، وعلى الرغم من أنه لم يكن الأكبر فإنه تحمل المسئولية كاملة، حيث خرج للعمل ولم يتجاوز عمره 14 عامًا؛ ليساهم في الإنفاق على أشقائه الخمسة وشقيقاته السبع.

وتدمع عينا شقيقه حاتم وهو يقول:"لقد كان أحنّ مَن في العائلة، همه إخوته وأخواته، لكل منا ذكريات جميلة معه، فهو قدوة الجميع".

أما أستاذه د. حاتم محاميد فيصف ماجد في فصله الدراسي قائلا: لقد كان تلميذًا سكوتًا هادئ الطبع إذا سُئِل أجاب وإلا بقي صامتًا، ولكنه في العادة"عبقري".

ومن البسطاء أيضًا.. عباقرة

عمِل في البناء كأي فتى فلسطيني فقير، بل إنه اضطر تحت وطأة الحاجة وبعد أن أنهى المرحلة الثانوية أن يتوقف عن الدراسة لعام كي يعمل، بدأ عام 1978م مشواره الأكاديمي في الجامعة العبرية بالقدس ليحصل على البكالوريوس بامتياز في تخصص"الإحصاء والاقتصاد"، وبعدها بعام عُيِّن معيدًا في الجامعة، ثم أكمل دراسة الماجستير في نفس الجامعة بتخصص"إدارة الأعمال".

لم يكن قد أكمل الرابعة والعشرين إلا وتلقى منحة من جامعة تل أبيب لدراسة الدكتوراه في تخصص الأنظمة المعلوماتية، وخلال سنتين فقط حصل ماجد على درجة الدكتوراه من الجامعة ليحاضر بعدها في جامعة هاواي بالولايات المتحدة أستاذًا زائرًا، ثم محاضرا في جامعة دروكسل في ولاية فيلادلفيا لمدة أربع سنوات، وفي تلك الأثناء حصل على لقب"بروفيسور".

تواضع لله.. فرفعه

بدأ نجم البروفيسور ماجد يسطع تدريجيًّا بعد أن حصل على شهادة الدكتوراه في فترة وجيزة، وبتقدير امتياز فتعاقد مع شركة أبحاث أمريكية وتنقل بين الجامعات الأمريكية مكرسًا حياته للعلم والبحث العلمي.

وحول انتشار اسم البروفيسور ماجد عالميًّا يقول شقيقه جمال إغبارية:"لقد ترأس ماجد 17 مؤتمرًا دوليًّا حول الأنظمة المعلوماتية، ومنذ عام 1991م حصل على عدد من المراكز الأولى في الحقل البحثي تم رصدها في دراسات عالمية".

ومنذ عام 1996م تنقل بين جامعتي تل أبيب الإسرائيلية وكليرمونت الأمريكية، وانضم عام 1998م للهيئة الأكاديمية لجامعة تل أبيب، وهو العربي الوحيد الذي حصل على هذه الصفة، وقد ترأس بعض الأقسام في كلية الإدارة بجامعة تل أبيب، وكان آخرها رئيس قسم الأنظمة المعلوماتية.

ويحدِّث عنه صديقه الحميم المحامي حسين أبو حسين قائلًا:"كان إنسانًا مثالًا في البساطة، ومثالًا للجندي المجهول في مفهوم الإنجازات العلمية الكثيرة، ولا أذكر أنه قال يومًا عملت كذا وأنجزت كذا. ومن الطريف عنه أنه لم يكن يعرّف نفسه بأنه"دكتور" أو"بروفيسور"بعكس الكثيرين الذين يرون بذلك مفخرة، لقد كانت قامته أطول بكثير مما كان الناس يرونها بسبب تواضعه الجم".

ويضيف:"دائمًا اكتشفت لهذا الإنسان قيمته العالمية والمحلية من خلال معارف مشتركين تعرفت عليهم من خلاله، كلهم كانوا يثنون على إنجازاته، وعلى دماثة خلقه، وأهم شيء بساطته، فهو لم يتنكر للبيئة التي خرج منها".

أما الخصلة الأخرى المميزة التي يتحدث عنها أبو حسين واكتسبها ماجد فهي الإرادة الفولاذية التي ساعدته في مقاومته للمرض، يقول:"لم يتذمَّر من المرض أبدا، ولم يكن حين نقابله يتكلم عن أنه سيجري عملية أو زيارة لمستشفى، أو سيقوم بتحليل ما، وكنا ندري بذلك دائمًا من خلال أقاربه".

لا ينسى د. حاتم محاميد -وكان أصلًا أستاذًا لماجد في السابق- أنه يوم حصوله على درجة الدكتوراه من جامعة تل أبيب، كان البروفيسور ماجد -تلميذه السابق- عضوًا في الهيئة العلمية لجامعة تل أبيب التي يحق لها المصادقة على رسائل الدكتوراه.

لاعب كرة.. وزوج رائع

لم يكن ماجد ذلك الأكاديمي الجاف، ولا العالم القابع في برجه العاجي.. فقريته كلها عرفت عنه مدى حبه لكرة القدم، لعب ضمن صفوف فريق قريته"معاوية"في صغره، وحين كسرت قدمه في إحدى المباريات وتوقف عن اللعب ظلَّ يتابع أخباره، وحين ذهب إلى أمريكا اهتم بكرة القدم الأمريكية.

وكما يقول أحد زملائه من الأساتذة الأمريكيين: كنت على مدار ثلاثين عامًا أهتم بلعبة كرة القدم وأشاهد المباريات وأعرف الفرق جميعها، وأشهر اللاعبين وجميع القوانين المتعلقة باللعبة وترتيب الفرق في لوائح الدوري، أما ماجد فبعد ثلاثة أشهر فقط من سكنه بأمريكا كان يعرف كل هذه المعلومات وأكثر مني بكثير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت