فهرس الكتاب

الصفحة 18380 من 27345

عندما يكون الإسلام قاعدة الانطلاق (1-2) معتصم أبّكر محمود*

عندما تحتار وتسأل (من أنا) يقول لك الإسلام بصوت تملؤه الثقة: (أنت خليفة الله في الأرض) وحينما تتأمل الإجابة وتتوقف عند (في الأرض) تشعر بعظم المسئولية عن الأرض ومحيطها الجوي.

وحينما تسأل (كيف سأعيش) أو ماهي المهمة التي سأقوم بها بالضبط تسمع القرآن يهمس في أذنك: ( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين) وإذا سألت ( وما علاقتي بهذا الكون الفسيح) تسمع صوتا يقول لك: ( إنه مسخر لك لتنعش به فكرك وتستفيد منه في معاشك) وعندما تتأمل أكثر يكشف لك الإسلام عن رابط قوي بينك والوجود فهو أخ لك في العبادة .. نعم أخ لك ( وإن من شئ إلا يسبح بحمده) . بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يضرب لك مثلا في تبادل العواطف بين المؤمن وهذا الكون إذ يروي لك قصته ع ذلك الحجر الذي ظل يسلم عليه قبل الرسالة، وحينما يروي لك قصته مع جبل أحد ( أحد جبل يحبنا ونحبه) تشعر بمدى العاطفة الرقيقة والشاعرية في التعامل مع هذا الكون ولا شك في أن هذه النظرة ستزيد الأفق الإبداعي والنظرات التأملية الثاقبة)

إن القرآن يلح علينا كثيرا بأن نكون أكثر وعيا بآيات الله، ف،ك تجد كلمات مثل: (يبصرون، يسمعون، يفقهون، يتفكرون، يعلمون، يتذكرون، يتقون) وكلها تدعو إلى إدراك هذا الوجود لنصل إلى إلى الغية وهي التقوى.

إن القرآن يعرض علينا قضايا كونية عديدة لتكون موضوعا للتفكر الذي يوصل إلى الإيمان بالله عز وجل . إذن أن غاية الفكر والإبداع الإسلاميين هي الوصول إلى إيمان وعبادة خالصة لوجهه تعالى.

والآن سأعرض تعريفي الخاص للتفكير وهو ( البحث عن جواهر الأشياء وجزئياتها المختلفة وعلاقاتها للوصول إلى الحقيقة المطلقة) .

إن التدبر الذي يدعو إليه القرآن هو الخطوة الأولى في طريق التفكير العميق في هذا الكون، والتدبر في اصطلاحي: ( البحث عن الإيحاءات الكامنة خلف الدلالات اللغوية للألفاظ) وأطلقت على هذا النوع من التدبر (التدبر الإبداعي) .

دعوني الآن أقترح نوعين من التفكير ولأسمهما (التفكير النمطي) و (التفكير الإبداعي) ، فالتفكير النمطي اقصد بذلك التفكير الارتجالي الذي لا يهتم بالتفصيلات ولا بالتفسيرات ومحصلته النهائية ستكون معرفة عادية يشترك فيها معظم الناس، فكل الناس يدركون أن التفاحة تسقط إلى أسفل وال تصعد ولكمن نيوتن وحده تجاوز هذا التفكير النمطي فبحث عن التفسير فتوصل إلى الجاذبية الأرضية.إذن التفكير النمطي أمكن تفسيره بهذه المعادلة:

عرض ــ (ملاحظة ارتجالية) ــ نتيجة عمومية.

أما ما اعنيه بالتفكير الإبداعي هو ذلك الذي يسأل عن التفسير، ويحلل المادة المعروضة إلى جزئيات ويحاول فهماها ضمن منظومة الكون، ويمكن تمثيله بهذه المعادلة:

عرض ـــ ( ملاحظة عميقة) ـــ تفسير.

فهذا النوع يسال فيه المبدع: لماذا وكيف؟ ولنضرب مثلا لنبين الفرق بينهما، وليكن خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار.. ففي التفكير النمطي هنا يقول: ( نعم إن هناك آية عظيمة في خلق هذه السماوات والأرض نغم عن هناك اختلاف بين الليل والنهار، فالنهار فيه الضوء والليل ساكن ومظلم)

ولكن التفكير الإبداعي يقودنا إلى تأمل أعمق للسماوات والأرض ويسأل عن السبب وراء اختلاف الليل والنهار ليصل إلى تفسير هذه الظاهرة بدوران الأرض حول الشمس.

وحينما يتحدث القرآن عن جريان الفلك في البحر سيقول النمطيون نعم إن الفلك تجري في البحر ولا تغرق ولكن الابداعيون يفكرون في السبب ويسالون لماذا لا تغرق الفلك إلا في الحوادث الطارئة، وبهذا يمكن الوصول الى قوانين الدفع في الموائع وقانون أرخميدس. وبهذا يصلون أيضا إلى القوانين التي تجمع ما يتعلق بالطفو ومحاولة الاستفادة منها.

والآن فنتسائل: أي هذين الطريقين مطلوب؟ وإجابتي على ذلك بان كليهما مطلوب والسبب في ذلك أن الطريق الأول هو لتأسيسي الفكرة الإيمانية الأولية وهذا الطريق يستطيع كل الناس المشي فيه. أما الطريق الثاني فهو لتأسيس الفكرة الإيمانية الثانوية عن طريق المعرفة العميقة الناتجة عن الكشوف الإبداعية.

وهنا يجب أن نذكر بقوله تعالى ( هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) لذلك يلح الإسلام علينا للنظر إلى الكون لا لكي نؤمن وحسب بل لنزداد تفهما للحياة واستثمارا لها ونزداد إيمانا أكثر يقينية.

لقد تحدثنا عن الإيحاءات القرآنية والآن نحن بصدد البحث في بعض الأمثلة من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة لتطبيق ما يمكن أن نسميه ( المنهج الإبداعي) .

ولنبدأ بمسالة هي أم الميتافيزيقيات (الغيبيات) إلا وهي الخلق ( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون) فهذه الآية تهز كل مؤمن يقرؤها بل قرأت أن بعض الصالحين كانوا إذا سمعوها أغمي عليهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت