د. أحمد مجذوب أحمد*
المستخلص:
حرص الباحث على تسمية الموضوع الذي بين أيدينا بملامح النموذج الاقتصادي الإسلامي لأنه - حسب اعتقاده - لا تكفي مساحة هذه الصفحات وحدها للخوض في تفصيلات دقيقة عن الجوانب المختلفة للنموذج موضع الدراسة وعلاقاته المتشابكة. وعليه، اكتفى الباحث بالتطرق لثلاث جوانب تعتبر - من وجهة نظره - رئيسية وجوهرية، وذلك في ثلاث مباحث، المبحث الأول، تم إفراده للحديث عن المبادئ التي يقوم عليها النموذج الاقتصادي. لأنه من غير المتصور أن يقوم أي نموذج أو مثال، دون أن يستند على بعد عقدي أو فكري أو أخلاقي. فالنموذج بهذا الفهم ما هو إلا تعبير عن تطلعات أي مجمع نحو تحقيق غاياته. والمجتمع بدوره هو أسير المبادئ التي يعتقد فيها ويلتزم بها أخلاقيًا وبالتالي يقيم عليها بناءه الفكري.
أما المبحث الثاني، فقد جاء عن ملامح البنيان المؤسسي في النموذج الاقتصادي. وقد بذلت فيه المحاولة لتبيان شكل البناء المؤسسي الذي يعبر عن تحقيق الغايات وحفظ العلاقات. ولتسهيل عملية الدراسة، تمت الإشارة إلى أثر الفكرين الاشتراكي والرأسمالي على البنيان المؤسسي في الواقع العملي لكل منهما. وفي هذا السياق فقد تم إفراد حيز لوضع الدولة في البنيان المؤسسي وكذا الأمر بالنسبة لمؤسسات المجتمع الاقتصادية الأخرى (مؤسسات القطاع الخاص) .
بينما خصص المبحث الثالث والأخير للحديث عن الملكية. وعلى الرغم من الصلة القوية لهذا الموضوع بالبناء المؤسسي، إلا أن إفراد مبحث خاص بالملكية في هذه الدراسة يرجع لأهميتها، سواء على المستوى النظري أو على المستوى العملي. كما وأن المعيار الأساسي للتمييز بين النماذج الاقتصادية المختلفة أصبح يرتكز على نوع وشكل الملكية في كل من هذه النماذج.
المبحث الأول (1)
المبادئ والقواعد التي يرتكز عليها النموذج الاقتصادي الإسلامي (*)
هناك جملة من القيم والمعتقدات والقناعات تسود المجتمع وتمتد جذورها إلى الدين أو الأعراف. وقد تم استخلاص مبادئ وقواعد عامة منها، بحيث أصبحت هذه القواعد والمبادئ تؤثر في تفسير وتقنين وتوجيه الظواهر الاجتماعية عامة والاقتصادية في موضوعنا هذا على وجه التحديد. ومن ثم تصبح مرتكزًا للباحثين لصياغة النظريات وبناء النظم وتحديد العلاقات المؤسسية. ونحن نورد هنا بعض المبادئ والقواعد العامة التي نرى أنها تمثل المركز الذي يقوم عليه النموذج الاقتصادي الإسلامي وهي على النحو الآتي:
أولًا: مبدأ تحقيق معنى العبودية لله رب العالمين:
ويستخرج هذا المعنى من جملة النصوص الدالة عليه كقوله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون، ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون، إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين) (2) . وهذه الآيات أكدت على أن الغاية والمنتهى من الخلق هو تحقيق العبودية لله سبحانه وتعالى (3) . بل وأشارت إلى أن القضية الاقتصادية المتعلقة بإشباع الحاجات لم يكلف بها الخلق أصالة، وإنما هي على الله سبحانه وتعالى. وما عليهم إلا الأخذ بالأسباب. ويقول الله تعالى في موضع آخر: (قل إني أمرت أن اعبد الله مخلصًا له الدين) (4) . وفي ذلك تأكيد على أن المفرد بالعبادة هو وحده لا شريك له وأمرنا أن ندعو جميع الناس إلى عبادته (5) . وتتابعت النصوص في ذلك السياق والمقام هنا ليس مقام إحصاء لها أو إحاطة وإنما إشارة تعين على ربط هذا المعنى بموضوعنا.
فالذي يتضح أن الغاية والمبتغى والمنتهى عبادة الله سبحانه وتعالى والدعوة إليه وإخلاص النية في العمل. وعليه، فإن النظام الاقتصادي بآلياته ومؤسساته وسياساته، لابد أن يعمل على تحقيق معنى العبودية. وهذا يجرنا إلى الحديث عن قضية ارتباط الاقتصاد بالقيم. فهل هو علم يبحث فيما هو كائن فقط أم يبحث فيما ينبغي أن يكون؟ أي هل للأخلاق أي أثر على علم الاقتصاد؟ (6)
ذهبت المدارس في هذا الأمر مذاهب شتى. فالاقتصادي بيجو Pigou من أنصار المدرسة الكلاسيكية نفى الاعتماد على المعايير الحكمية في وضع السياسات الاقتصادية. ويؤيده في هذا المنحى الاقتصادي باريتو Pareto، حيث يؤكد أن علم الاقتصاد علم وضعي يبحث في ما هو كائن فقط. وتمكنت هذه الأفكار بسبب انتشار المدرسة العلمانية (7) في الدول الغربية لاحقًا، إذ أقر كل من فريدمان وسام ولسون وروبتر بأن الاقتصاد ليس له علاقة البتة بالقيم والأخلاق وأنه علم محايد. وظهر بعض الاقتصاديين الذي خالفوا هذه المجموعة وتبنوا الرأي القائل بأنه لا يعقل أن يكون التحليل الاقتصادي خاليًا وبشكل كامل من الأحكام والاعتبارات الأخلاقية ويؤكدون أنه ليس عيبًا في الاقتصاد أن يرتبط بالقيم، لأنه علم اجتماعي مرتبط بالإنسان (8) .