سلسلة مقالات في فقه الجهاد ( المقالةالأولى: فضل الجهاد )
الكاتب: د. أبوعبدالرحمن الأزدي ...
الحمد لله رب العالمين ، و العاقبة للمتقين ، ولا عدوان إلا على الظالمين ، ولا إله إلا الله ، إله الأولين و الآخرين ، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله ، و أمينه على وحيه ، وخيرته من خلقه ، محمد بن عبدالله ،وعلى آله ، وصحبه أجمعين .. وبعد:
قال جرير يمدح الخليفة الوليد بن عبد الملك:
وأدّت إليكَ الهندُ مافي حُصونِها * ومن أرض صين استان تُجبَى الطَّرائفُ
وأرض هِرَقل قَد قهرت وداهرًا * وتَسعى لكم من آل كسرى النواصِفُ
إن خضعان الهند و الصين و الروم و الفرس ودخولها في دين الله ؛لم يكن نتيجة ركون إلى الدنيا ، أو معاهدات مع أعداء الله ورسوله ، أو دخول في أحلاف مشبوهه ، ... إنما كان ثمرة يانعة من ثمار الجهاد في سبيل الله تعالى .
إن الجهاد في الإسلام له مكانة خاصة ، ومنزلة سامية ، وإن الإنسان ليعجب من كثرة النصوص الدالة على فضله ، واستفاضتها وثبوتها ، صحة ودلالة ، ومع ذلك تنكبه عامة المسلمين اليوم ،فركبهم من الذل و المهانة ،مالم يمر على هذه الأمة ، من بعثة بنبيها صلى الله عليه وسلم إلى عصرنا هذا مثله .
ولما يترتب على الجهاد من مصالح عظيمة ، ونفع للأمة في معاشها ومعادها ؛ لأجل ذلك جاء في فضله ، وثواب فاعله نصوص كثيرة حتى قال شيخ الإسلام:"لم يرد في ثواب الأعمال وفضلها مثل ما ورد فيه"28/353 ، وقال أيضًا:"والأمر بالجهاد ، وذكر فضائله في الكتاب و السنة ؛ أكثر من أن يحصر ، ولهذا كان أفضل ما تطوع به الإنسان ، وكان باتفاق العلماء أفضل من الحج و العمرة ، ومن صلاة التطوع ، و الصوم التطوع ، كما دل عليه الكتاب و السنة".
وقال رحمه الله:"نفع الجهاد عام لفاعله ، ولغيره ، في الدين و الدنيا ، ومشتمل على جميع أنواع العبادات الباطنة و الظاهرة ، فإنه مشتمل من محبة الله تعالى ، والإخلاص له ، والتوكل عليه ، وتسليم النفس و المال له ، و الصبر و الزهد ، وذكر الله ، وسائر أنواع الأعمال على مالا يشتمل عليه عمل آخر"، وذكر - رحمه الله - أن في الجهاد سعادة الدنيا و الآخرة ، وفي تركه ذهاب السعادتين أو نقصهما . 28/354
والآن إليك أخي القارئ طائفة من تلك النصوص المضيئة:
1.عظم الله أمر الجهاد ، وذم التاركين له ، ووصفهم بالنفاق ، ومرض القلوب ، قال تعالى:"قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم"الآية ، وقال تعالى:"فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت"الآية .
2.أثنى الله على أهل الجهاد وعظمهم في سورة الصف حيث يقول"يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم"الآية .
3.وقال تعالى:"من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم .."الآية .
4.وقال تعالى:"ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمًا ولا نصب ولا مخمصة .."الآية .
5.اعتبر الله تعالى أن الذي قتل في سبيل الله مازال حيًا"ولكن لا تشعرون"، قال تعالى:"ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون"وقال سبحانه:"و لا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله ..."الآية .
إن هذا المفهوم ؛ مفهوم إسلامي تفرد به الإسلام ، كيف يقتل الرجل ، ويبقى حيًا ! في مفهوم الأمم السابقة من قتل فقد مات وانتهى أمره ، أما في الإسلام فالذين قتلوا في سبيل الله ؛ أحياءلهم كل خصائص الأحياء ، فهم يرزقون ، وهم فرحون ، وهم يستبشرون، إنها حقيقة كبيرة ، ذات قيمة ضخمة ، وآثار عميقة في مشاعر المؤمنين ، واستقبالهم للحياة و الموت ، وتصورهم لما هنا وما هناك ، كما يقول الاستاذ سيد قطب . يقول الاستاذ الأديب سيد قطب عن الشهداء:"لا يجوز أن يقال عنهم أموات ، لا يجوز أن يعتبروا أمواتًا في الحس و الشعور ، ولا أن يقال عنهم أموات بالشفة و اللسان ، فهم أحياء بشهادة الله سبحانه ، فهم لابد أحياء ."
إنهم قتلوا في ظاهر الأمر ، وحسبما ترى العين ، ولكن حقيقة الحياة لا تقررهما هذه النظرة السطحية الظاهرة .. 1/143
ننتقل إلى السنة:
إن حياة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حافلة جدًا بالعناية بالجهاد ، عناية عملية و قولية .
فقد بدأ الجهاد في مرحلة مبكرة من مراحل دولته الجديدة في المدينة ، بدأ به بعد سبعة أشهر من هجرته صلى الله عليه وسلم ، سبعة أشهر فقط ، وليس بعد سبع سنين ، وكان أول لواء عقده صلى الله عليه وسلم ؛ لواء أبيض ، عقده لحمزة بن عبد المطلب ، في شهر رمضان ، على رأس سبعة أشهر ، من مهاجره وكان حامله أبو مرثد كناز بن الحصين ، حليف حمزة ، وبعثه في ثلاثين رجلًا من المهاجرين خاصة ، يعترض عيرًا لقريش ، جاءت من الشام ، وفيها أبو جهل بن هشام في ثلاثمائة رجل .