فهرس الكتاب

الصفحة 2960 من 27345

د. أسماء الحسين 14/12/1425

عندما قال الله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) [فاطر: من الآية28] ؛ فلأنهم أقرب العالمين إلى التدبر والخشوع الحقيقي، والدعوة إلى الله على بصيرة، والجهاد في إيصال تلك الحقائق المتعلقة بالعبادة للناس، وهذا نهج الرسول -عليه الصلاة والسلام- ومن سار من بعده إلى يوم يبعثون.

ولأن القرآن هو الدستور الخالد الذي نستقي منه العلم والعبادات إلى يوم القيامة، وهو كلام الله الذي أوحى به إلى عبده ونبيه محمد -عليه الصلاة والسلام- والذي يتعدى واجبنا تجاهه الحناجر إلى المشاعر والسلوكيات. فالمتأمل بل المتدبر في كثير من آياته يستشعر هيبة الله تعالى وكلامه الحق، ولاسيما عندما يربطه بما يحدث في الكون، وكله في أصله بتدبير الله تعالى وحكمته؛ لنتأمل هذه الآية على سبيل المثال: (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ * وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ) [الرعد:13] ، ويقول سبحانه: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) [فصلت: من الآية53] ، وللأسف لا يزال بيننا -ممن تخطّى حدود التفاؤل إلى الغفلة يتجاهل عملية الربط هذه استنادًا إلى نفسيته المنغمسة في الصفاء المادي أو نصف علمه، والله تعالى يقول: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) [الإسراء: من الآية85] إذا كان هذا الأمر يشمل العلماء، فما حال أنصاف العلماء، بل ومن لا علم شرعيًا لديه؟!

ولا أعلم: هل ينتظر مثل أولئك أو البعض منّا أن تقوم الساعة وهم ينظرون، وقد جاء أشراطها، أم يحل الأمر بأرضهم -لا قدّر الله- حتى يعلموا أنه الحق، ويسلموا تسليمًا، ولنا في فرعون عدو الله، وقوم عاد وثمود عبرة وأيما عبرة (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى) [النازعات:26] ، ,هذا الكلام أعني به ليس غير المسلمين وحسب، بل أعني به أيضًا عددًا كبيرًا من المسلمين ذوي الثقافة الدينية المحدودة، أو من ذوي التعايش السلمي -إن جاز لي التعبير- مع النصوص الشرعية، والعلم الشرعي، والغافلين من باب أولى .. والذين يتذكرون جيدًا أنصبتهم من الدنيا على حساب الآخرة، ولا يعني هذا أن المؤمن نفسه لا يخاف. بل لطالما خاف رسول الهدى والسماحة الأقرب إلى الله من أن يقع عذاب الله؛ فمن يأمنه؟!

وفي حديث صحيح قالت عائشة -رضي الله عنها-:"يا رسول الله إن الناس إذا رأوا الغيم فرحوا، رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرف في وجهك الكراهية؟ فقال:"يا عائشة، ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب؟ عُذِّب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب، فقالوا: هذا عارض ممطرنا" (رواه البخاري ومسلم) ."

وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا عصفت الريح قال:"اللهم إني أسألك خيرها، وخير ما فيها، وخير ما أُرسلت به، وأعوذ بك من شرها، وشر ما فيها، وشر ما أُرسلت به" (رواه مسلم) .

ولنتأمل هذه الآية الكريمة، حيث يقول الله -عز وجل-: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) [الروم:41] إن المتأمل في هذه الآية الكريمة ليدرك أن ما يحدث من كوارث وحروب وابتلاءات مرتبطة بعد إرادة الله في الغالب بمعاصي الخلق والإصرار على الذنوب، وظهور البدع، وغياب الدور الآمر الناهي في سبيل الخير والإصلاح ليس في بلاد بعينها، وإنما في بلاد العالمين قاطبة (وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ) [هود: من الآية83] ، ويقول الحق جلّ وعلا: (وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ) [الرعد: من الآية31] وفي أهون التوقعات تأتي لإنعاش القلوب الخاملة.

وأما من يقول: وما ذنب المستضعفين أو الصالحين أن يعمهم مثل تلك الكوارث والابتلاءات التي نسمعها ونشاهدها اليوم؟

فيرد عليهم هذا الحديث: حيث خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يومًا فزعًا محمرًا وجهه، يقول:"لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق بإصبعه الإبهام، والتي تليها، قالت زينب بنت جحش -رضي الله عنها- فقلت: يا رسول الله: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث" (رواه مسلم) .

العلماء يدركون ذلك، أما غير العلماء فمنهم من ينكر ومنهم من يتجاهل، ومنهم من يريد قلب الحقائق رأسًا على عقب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت