النظام العالمي والعدالة الاجتماعيّة"المساواة" (1/2)
د.عبدالله بن هادي القحطاني * 4/6/1426
إن من المسلّمات التي لا يمكن التنازل عنها لأي نظام يصبو إلى العالميّة هو تحقيق المساواة بين كافة الشعوب، وكفالة العدالة الاجتماعيّة لهم. ومن المؤسف فإن مبدأ المساواة في التعامل مع البشر من خلفيات عرقيّة، واجتماعيّة، واقتصاديّة، وثقافيّة مختلفة مفقود في الأيديولوجيات المسيطرة على العالم، فالهند"أكبر ديموقراطية في العالم"-كما يزعمون- تعاني ولقرون عديدة من نظام طبقيّ اجتماعيّ مقيت cast system) )يُعامل بعض أفراده كآلهة ( Avatars ) بينما يُعَدّ الآخرون، وهم الغالبية الساحقة أقل قدرًا من العبيد، ويسمّوْن بطبقة المنبوذين (Untouchables) ليس لهم أية حقوق، وعلى الرغم من أن المسلمين لا يُصنفون دينيًا وفقًا للهندوسية ضمن هذا السلم الاجتماعي الظالم، إلا أنهم يعاملون في كثير من أرجاء الهند معاملة جائرة ظالمة، ناهيك عن البقرة التي يقدسها ويعبدها كثير من الهندوس.
وأما النصرانيّة التي لم يُكتب لها أن تُطبّق كنظام حياة متكامل كما في الإسلام إلا أنها تحوي في تعاليمها كثيرًا من المبادئ العنصريّة، والتي اتخذها كثير من أتباعها ذريعة لاستعباد الشعوب الأخرى واستعمارها. وفي الجانب الآخر، فإن التعاليم التلموديّة التي تقوم عليها اليهوديّة الحديثة تعلي من شأن اليهودـ وتصفهم بأنهم شعب الله المختار، وأما الأمم الأخرى بما فيهم أعوانهم من النصارى، فتصفهم بأنهم أمميّون، ويمكن أن تمتد القائمة لتشمل الشيوعيّة، ونداءاتها الجوفاء"بأن الناس سواسية"، والتي واقعها أن هناك"أناسًا أكثر سواسية من غيرهم". وأما الرأسماليّة الطاغية بظلمها على العالم اليوم فإنها لا تهدف ولا حتى على المستوى التنظيري إلى تطبيق المساواة؛ لأنها تشجّع الابتزازيّة المطلقة، وتقوم على الاحتكار الذي يؤدي إلى اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وينعكس ذلك في كافة مناحي الحياة. بينما الاشتراكيّة والتي -نظريًا- تدعو إلى رأْب الصدع بين الشيوعيّة والرأسماليّة وبلورة نظمهما في بوتقة جديدة، ما فتئت إلا أن تخبطت في حمأة أخطاء ذينك النظامين. وبهذا لم تنجح في أن تقدم خيارًا مقبولًا لنظام عالمي جديد، وبهذا فإن الإسلام يبقى الخيار الأوحد لنظام يسير حياة البشريّة. فهو يحترم حقوق البشر بغض النظر عن اختلافهم، ويعتبرهم أعضاء في أمة عالميّة واحدة تحيا في كنف الله في سلام ووئام، وبعد هذه المقدمة العامة فإنني سوف أتطرق لتعاليم بعض تلك الأنظمة بشيء من التفصيل، ومقارنتها بتعاليم الإسلام، فيما يتعلق بالمساواة بين البشر، بغض النظر عن الفوارق الاجتماعيّة والعرقيّة وغيرها.
1-النصرانيّة ومبدأ المساواة:
فمن خلال استعراضنا لبعض تعاليم النصرانية في كتبها الأصلية نقرر في كونها نظامًا يمكن أن تتطلع إليه الإنسانية ليحقق العدل والمساواة، وخاصة أن دستور أكبر دولة نصرانية في العالم قد تأثر كثيرًا بتعاليم الكتاب المقدس عند النصارى، ولتعاليمها تأثير كبير على قادة الولايات المتحدة، ومثال ذلك مقولة الرئيس ريجان في خطاب ألقاه خلال فترة الحرب الباردة، قال فيه:
"لقد بدأت الأمور تتضح، ولن تكون بعيدة الآن، فإن إزاكل (1) يقول بأن النار والحمم ستمطر على أعداء شعب الله، وهذا يجب أن يعني أنهم سوف يُدمرون بالأسلحة النووية .. جوج الأمة التي تقود كل قوى الظلام الأخرى ضد إسرائيل، والتي سوف تأتي من الشمال فإن روسيا هي جوج ... وبما أن روسيا قد حاربت الإله .. فإنها تنطبق عليها أوصاف جوج وماجوج بدقة متناهية" (2) .
وفي الحقيقة فإن رسالة عيسى الحقيقية كانت موجهة لشعب بني إسرائيل في عهده عليه السلام، ومازالت بقايا ذلك في كتب العهد الجديد عند النصارى.
( متى 10: 5ـ6)
فهي إذن ليست رسالة عالمية لكل البشر ولكل الأزمنة ، بل محدودة بزمن معين ولشعب بعينه . وفي مقطع آخر من العهد الجديد يشير متى إلى حادثة مرت بعيسى (عليه السلام ) حسب زعمهم وفيها إجحاف كبير على نبي الله أعزه الله وشرفه عما يقولون ، واتهام له بأنه عنصري متحيز ، فهو لا يرى أن أحدًا أهل لدين الله من بني إسرائيل ، ولاشك في أن ذلك تجن على نبي من أولي العزم كرمه الله بالرسالة ، وجعل ميلاده معجزة وآية ، ولكنه دليل على أن تعاليم النصرانية الحالية تعاليم متحيزة ولا تسمو لتطبيع المساواة بين البشريّة.
(متى15: 21 ـ 26) .