فهرس الكتاب

الصفحة 5779 من 27345

التقارب الديني خطره, أسبابه, دعاته

رئيسي:فكر:الأربعاء 3 صفر 1425هـ - 24 مارس 2004م

الحمد لله القائل:وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ... [120] } [سورة البقرة] . وصلى الله وسلم على محمد، الذي حذَّرنا من اتخاذ الرؤوس الجُهّال, فقال: [إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ النَّاسِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يَتْرُكْ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا] رواه البخاري ومسلم . أما بعد،،،

فإن من الأمور التي عمَّت بها البلوى في هذا العصر وأخطرها تلك الدعوة التي رفعها بعض المنهزمين بإيعاز من المستشرقين في أواخر القرن الميلادي الماضي, وقد جاراهم فيها بعض الصلحاء المستغفلين من الدعاة, ألا وهي [دعوى التقارب الديني] ، أو [وحدة الأديان] ، أو الدعوة إلى [الحزب الإبراهيمي] ، أو جمع أهل الأديان السماوية على [الملة الإبراهيمية] ، ونحو ذلك من هذا الهُراء.

لقد لاقت هذه الدعوة في الآونة الأخيرة رواجًا, حيث عقدت مؤتمرات وندوات لمناقشة كيفية التوصل إلى دين عالمي جديد، يجعل الناس - كل الناس - يعيشون في وئام وسلام، خاصةً في البلد الواحد, دون أدنى اعتبارٍ لدينهم وتراثهم وثقافتهم, فـ'الدين لله, والوطن للجميع، وما لله لله وما لقيصر لقيصر'!!

هذا الدين العالمي الجديد يوالي فيه المسلم أخاه النصراني واليهودي والمجوسي والوثني!!! إذ جميعهم من آدم وحواء عليهما السلام!!

وهذا بحث تكلَّم عن تاريخ هذه الدعوة: عن بَطَلَتها, وعن الأٍسباب الحقيقة للقيام بها, وعن مخالفتها الصريحة البينة الواضحة لما جاء به الرسول محمد صلى الله عليه وسلم: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [64] } [سورة آل عمران] . كتبته نصيحة لله ولرسوله، ولدينه، ولدعاة هذه الدعوة، ولعامة المسلمين, ليهلك من هلك عن بينة، ويحي من حيّ عن بينة.

1-الغرض الأساسي من الدعوة وحدة الأديان أو التقارب الديني هو:

إبعاد الإسلام، وإقصاؤه عن الحياة, وإذابة معتقداته؛ ليعيش أصحاب الملل المختلفة في البلد الواحد في محبة, وتزول عنهم الخلافات الدينية، ويختفي منهم الولاء الديني، ليصبح الولاء للوطن الذي هو للجميع, فالدين لله والوطن والجميع!!!

2-متى ظهرت هذه الدعوة في العالم الإسلامي؟ ومن هم بطلتها؟

أول ما بدأت هذه الدعوة في الربع الأخير من القرن الماضي, بإيعاز من بعض القُسُس، فهي ثمرة من ثمار الغزو الفكري، والاستعمار الأوربي الذي جثم على صدر الأمة الإسلامية في ذلك الحين, ثم توالت الصيحات فيما بعد، يقول الشيخ محمد محمد حسين رحمه الله: 'أما التوفيق بين الأديان -بين المسيحية والإسلام على وجه الخصوص - فقد بدأ في العصر الحديث باتفاق قسيس إنجليزي اسمه [إسحاق تيلور] مع الشيخ محمد عبده وبعض صحبه في أثناء نفيه بدمشق 1883م على التوحيد بين الدِّينيْن. ثم ظهرت الدعوة من جديد في السنوات الأخيرة حين قام جماعة من المعروفين بميولهم الصهيونية بعقد مؤتمر للتأليف بين الإسلام والنصرانية في بيروت 1953م، ثم في الإسكندرية 1954م، وقد كثرت الأقاويل في أهداف هذه الجماعة, وفي مصادر تمويلها, وأصدر الحاج أمين الحسيني بيانًا أثبت فيه صلة القائمين على هذه الدعوة بالصهيونية العالمية' [الاتجاهات الوطنية: 2/319-320] .

3-أبرز بَطَلَة- قال صلى الله عليه وسلم في مدح سورة البقرة: [ وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ] رواه مسلم، أي: السحرة الباطلين - هذه الدعوة:

[1] الشيخ محمد عبده [1849-1905] م: هو أول من سُخِّر للدعوة لتلك الفكرة، كما وضح لنا من قبل: 'وقد يكون أخطر آثار محمد عبده التي تعد ركيزة من ركائز العلمانية في العالم الإسلامي: إضعاف مفهوم [الولاء والبراء] ، و [دار الحرب ودار الإسلام] ؛ إذ كان الشيخ أعظم من اجترأ عليه من المنتسبين للعلماء, لا بتعاونه مع الحكومة الإنجليزية الكافرة فحسب, ولكن بدعوته الصريحة إلى موالاة الإنجليز وغيرهم - بحجة الأول التعاون مع الكافر ليس محرمًا من كل وجه- وبدعوته إلى التقريب بين الأديان..حقيقة إن الرأي العام الإسلامي قد ثار على بعض فتاوي الشيخ التي أباح بها موالاة الكفار، ولكن تأثيرها في الأمة لا شك فيه في تلك الفترة الحرجة التي تتميز بغبش الرؤية واختلاط المفهومات' [ العلمانية لسفر الحوالي، ص578-579] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت