د. إسماعيل محمد حنفي*
مقدمة
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد
فإنَّ مجتمع المسلمين كالجسد الواحد في تماسكه، وفي تأثُّره كله بما يطرأ عليه من خير أو شر، ولذلك يسري على كل جزء من هذا المجتمع وعلى كل فئة فيه ما يسري على بقية الأجزاء والفئات، ولذا يحرص كل جزء أو فئة في هذا المجتمع على البقية، ويعلم أنّ حرصه عليه قد يستوجب أن يقسو عليه قليلًا قسوة الدواء المر الذي يُلزِم الطبيبُ مريضَه بشُربه. ومن هنا فإنّ فئات المجتمع كلها تسمع عن الحِسبة وأهميتها لكن قد تتساءل: ما الحسبة؟ فنقول كما بيَّن أهل العلم إنّها:"أمرٌ بالمعروف إذا ظهر تركُه، ونهيٌ عن المنكر إذا ظهر فعلُه" [1] .
إنّها النصيحة، إنّها حُب الخير للآخرين بأمرِهم بما فاتهم من الخير ليفعلوه، ونهيّهم عمّا وقعوا فيه من الشّر ليقلعوا عنه..
الحسبة هذه، كيف نتصوّر أنّ مجتمعًا يستغني عنها بحجة الحريات الشخصيّة، أو عدم التدخل في شؤون الآخرين..؟
الحسبة هل يُستثنى أحد أفراد المجتمع أو مجموعاته عن المشاركة فيها؟ هل يزعم أحدٌ أنه لا يحتاج إلى أحدٍ يأمره بفعل شيءٍ واجبٍ قصّر فيه؟ أو يعينه على ترك محرم ابتُلي به؟ أو فِعل الأَولى؟ أو ترك المكروه الذي قد يجُرُّ إلى الحرام؟
إن الأفراد رجالًا ونساءً وكبارًا وصغارًا حُكامًا ومحكومين، أغنياء وفقراء.. وكذلك المجموعات والمؤسسات والهيئات رسميّةُ كانت أو شعبية.. كلهم ينتظرهم دورهم الذي يناسب قدراتهم وظروفهم وإمكاناتهم وعلمهم...إلخ..
دورهم الذي لا ينبغي استصغاره أو احتقاره، ليقوم كل منهم به احتسابًا على الآخرين بالحكمة وبالنية الخالصة لله بُغية الإصلاح..
إنّنا في هذه الورقة نحاول إعطاء إضاءة حول دور فئات المجتمع في الحسبة، نوضِّح المنطلقات الشرعيّة من النصوص المعتبرة، ونذكر نماذج من الشواهد التاريخية حول الموضوع بما يسند الفكرة ويثري الموضوع في حدود هذه الورقة الموجزة التي أردنا لها أن تكون مفتاحًا لهذا الباب الواسع... ليدلف منه جميع أفراد وفئات مجتمعنا اطّلاعًا فعلمًا ثم عملًا ليكون الفلاح وتتحقق الخيريّة ويندحر الشر بحول الله تعالى.. آملًا أن يوفق الله تعالى القائمين على مجمع الفقه الإسلامي في مؤتمرهم المهم الذي يأتي بشعار ( الحسبة مسئولية الجميع ) ليتحول هذا الشعار بحول الله تعالى إلى فهمٍ عميق وقناعةٍ راسخة في قلوب الجميع، ثم نراها واقعًا يضبط مسيرة هذا المجتمع الذي اختار الإسلام منهجًا له.
المبحث الأول
الشّواهد الشرعيّة على مسؤولية فِئات المجتمع في الحسبة
المتأمَّل في شواهد الشرع يجد الكثير منها يفيد أنَّ الحِسبة مسئولية جميع فئات المجتمع المسلم رجالًا ونساءً، كبارًا وصغارًا، رُعاةً ورعيّة.. ونذكر فيما يلي أهم تلك الشواهد..
أولًًا: عموم الأدلة التي وردت في شأن الحسبة: حيث نجد أنَّ كثيرًا من تلك الأدلة وردت في مشروعيّة الحسبة مرغِّبةً فيها أو محذرةً مِن تركِها، وهي لا تخاطب فئةً بعينها من أفراد المجتمع المسلم، بل تصدُق على الجميع... ومنها.
• قوله تعالى في صفات المؤمنين: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} (التوبة: 112 ) ، وذلك لأنّ الآية فصّلتْ صفات المؤمنين الذين اشترى الله تعالى أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنّة كما في الآية قبلها، لأنّهم بعد أن عبدوا الله بعِلمٍ واتِّباعٍ وإخلاصٍ سعوا لدعوة غيرهم وإصلاحهم حرصًا على نفعهم"فقاموا بعبادة الحق ونصح الخلق" [2] فاستحقوا التبشير من ربهم، فمَنْ مِنْ أفراد المجتمع لا يرغب في أن يكون في هذه الزُّمرة الطيبة ؟
• من مقتضيات الموالاة بين المؤمنين أنّهم يأمرون بعضهم بعضًا بالمعروف، ويتناهون عن المنكر، لأنّهم يحرصون على جلب الخير لهم ولإخوانهم وكذا إبعاد الضّر، ولذا استحقوا الخير من الله في الدنيا والآخرة.