فهرس الكتاب

الصفحة 7318 من 27345

الدِّعاية رؤية إسلاميَّة)

ياسر عثمان الحاج*

يشهد العصر الحالي ثورة هائلة في مجال الاتصالات، وسباقًا محمومًا في مجال الإعلام وتكنولوجيا الاتصال، لامتلاك ناصية التأثير في الجماهير العريضة في مختلف بقاع العالم، الذي لم يَعُد إلاَّ كقرية إلكترونية صغيرة ترتبط جميع أطرافها بمركزها، وذلك بفضل التطوُّر الهائل والمذهل في تكنولوجيا البث المباشر عبر الأقمار الصناعية والثورة المعلوماتية الرقمية، التي صاحبت عصر العولمة.

هذا التطوُّر الكبير في تكنولوجيا الاتصال الجماهيري، جعل الدول الكبرى تتسابق لفرض سيطرتها، وبث ثقافتها، ونشر دعايتها عبر وسائل الاتصال الجماهيري، لتضمن بذلك التأثير في جميع دول العالم ـ وخاصة العالم الإسلامي ـ لتتبوَّأ هي على عرش القيادة والريادة، ولتستطيع أنْ تحكم العالم بنظامها العالمي الجديد.

ولمَّا كان لهذا الموضوع أهميته الأيديولوجية، ولمَّا كان له ارتباط بعقيدة المسلمين التي تنادي أتباعها أنْ يكون دينهم هو الدين الذي ينبغي أنْ يعلو ولا يُعلى عليه، وأنْ يكونوا هم الأعلون بقيمهم وثقافتهم وعزَّتهم على غيرهم من أهل الملل والأديان الأخرى، وأنْ تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السُّفلى، رأيت أنْ أخوض غمار هذا الموضوع مبيِّنًا التأصيل الإسلامي للدِّعاية، ومفهوم الدِّعاية في الإسلام، والعلاقة بينها وبين الدَّعوة، ومفهوم الدِّعاية المضادة للإسلام، ومضمون الحملة الدعائية المضادة للإسلام.

وقد قمتُ بتقسيم الموضوع إلى: تمهيد، وأربعة مباحث، ثم خاتمة. وذلك على النَّحو التالي:

ـ تمهيد: عن مفهوم التأصيل وأهميته.

ـ المبحث الأول: مفهوم الدِّعاية في الإسلام.

ـ المبحث الثاني: العلاقة بين الدَّعوة والدِّعاية.

ـ المبحث الثالث: مفهوم الدِّعاية المضادة للإسلام.

ـ المبحث الرابع: مضمون الحملة الدعائية المضادَّة للإسلام.

ـ الخاتمة: وفيها أهم النتائج والتوصيات.

تمهيد

عن مفهوم التأصيل وأهميته

التأصيل في اللُّغة مشتق من"الأصل". والأصل: أسفل كل شيء، وجمعه أُصول، وأَصُلَ الشيءُ: صار ذا أصل؛ قال الشاعر ( [1] ) :

وما الشُّغْلُ إلاَّ أنَّني متهيِّبٌ لعرضك ما لم تجعل الشيءَ يأْصُلُ

وكذلك تأصَّلَ. ويُقال: استأصَلَتْ هذه الشجرةُ: أي ثبت أصلها.

وأصَّلَ الشيء: قتله علمًا فعرف أصله ( [2] ) . وأساس الحائط: أصله. واستأصل الشيءُ: ثبت أصله وَقَوِيَ ثم كَثُر، حتى قيل أصل كل شيءٍ ما يستند وجود ذلك الشيء إليه، فالأب أصلٌ للولد، والنهر أصلٌ للجدول، والجمع"أُصول". و"أَصُلَ"النَّسبُ بالضم"أصالةً"شَرُفَ، فهو"أصيل"مثل كريم. وأصَّلْتُهُ تأصيلًا: جعلتُ له أصلًا ثابتًا يُبنى عليه ( [3] ) .

فالتأصيل إذًا هو العودة بالشيء إلى أصوله وأُسسه التي يُبنى عليها.

والتأصيل لمواجهة الدِّعاية المضادة للإسلام، يعني: العودة بهذا الأمر إلى أسسه وقواعده الشرعية التي تحكمه في ضوء القرآن الكريم، والسُّنَّة النبوية المطهرة، وهو البحث عن أصوله الشرعية التي يستند إليها، وكيف يتعامل الإسلام مع الدعاية المضادة له؟ وكيف يواجهها؟.

ولكي ينجح المسلمون في مواجهة الدعاية المضادة للإسلام، لا بُدَّ أن يرجعوا إلى هدي الإسلام في التعامل مع الدعاية المضادة له، وذلك بالعودة إلى آيات القرآن الكريم، ونصوص السُّنَّة النبوية الشريفة، حتى يكون منطلقهم في الرد على الدعاية المضادة نابعًا من المصدريْن الأساسييْن للتشريع الإسلامي الحنيف.

التأصيل الإسلامي ضروري في كل العلوم، وخاصة العلوم الاجتماعية، وذلك للعودة بها إلى أصولها الشرعية المستمدة من الكتاب والسُّنَّة، وجعلها تتفق مع الإطار العام للشريعة الإسلامية."والتأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية عبارة عن عملية إعادة بناء العلوم الاجتماعية في ضوء التصوُّر الإسلامي للإنسان والمجتمع والوجود، وذلك باستخدام منهج يتكامل فيه الوحي الصحيح مع الواقع المشاهد، بوصفهما مصدريْن للمعرفة، بحيث يستخدم ذلك التصوُّر الإسلامي إطارًا نظريًَّا لتفسير المشاهدات الجزئية المحقَّقة، والتعميمات الواقعية، وفي بناء النظريات في تلك العلوم بصفة عامة" [4]

كما يمكن تعريف منهج التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية على أنَّه:"الطريقة المنظمة للبحث التي تستخدم في دراسة الظواهر الاجتماعية، انطلاقًا من التصوُّر الإسلامي للإنسان والمجتمع والوجود، على وجهٍ يجمع بين المناهج الأصولية المعتمدة في الاستنباط من نصوص الكتاب والسُّنَّة، ومناهج البحث الواقعية"الميدانية"المعاصرة بصورة تكاملية" ( [5] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت