مع الزاهد الثقة أبي نصر"بشر الحافي"
أ.د/محمد أديب الصالح
رئيس تحرير مجلة حضارة الإسلام
ـ 1 ـ
هو الإمام العالم المحدث الزاهد الرباني القدوة ، شيخ الإسلام بشر بن الحارث بن عبد الرحمن بن عطاء أبو نصر الزاهد المعروف بالحافي ابن عم المحدث علي بن خشرم المروزي (1) ، كان مولده سنة 152 هـ ، وممن سمع منهم في بغداد: حماد بن زيد ، وعبد الله المبارك ، وابن مهدي ، ومالك وأبو بكر بن عياش ، وغيرهم ، وسمع منه جماعة منهم: أبو خيثمة ، وزهير بن حرب ، وسري السقطي ، والعباس بن عبد العظيم ، ومحمد بن حاتم وغيرهم . وقد مات رحمه الله في سنة سبع وعشرين ومائتين قبل المعتصم الخليفة بستة أيام وعاش خمسًا وسبعين سنة .
ويبدو أنه انصرف إلى العبادة بعد كثرة سماع من العلماء واشتغال بالعلم ، وأصبح من أهم ما يتميز به زهادته وورعه ونسكه وتقشفه . وعندما تكون هذه الأمور عن علم ومعرفة بالشريعة ... فحدث ولا حرج .
من أجل ذلك أثنى عليه كثير من كبار الأئمة رحمهم الله ، حتى قال الإمام أحمد يوم بلغه موته: لم يكن له نظير إلا عامر بن عبد قيس ، ولو تزوج لتم أمره وفي رواية عنه أنه قال: ما ترك بعده مثله ، وقال إبراهيم الحربي:ما أخرجت بغداد أتم عقلًا منه ، ولا أحفظ للسانه منه ، ما عرف له غيبة لمسلم ، وفي كل شعرة منه عقل ـ ولو قسم عقله على أهل بغداد لصاروا عقلاء ..
وطبيعي أن هذا الكلام من الإمام أحمد والحربي يدل على طبيعة المقاييس التي كانت تقاس بها الرجال يومذاك . ومن أوضحها: ما كان عليه بشر من العلم والعمل .. والعبادة الصادقة ... والزهادة في الدنيا .. في ورع يجعل الجوارح بعيدة عن الولوغ في المخالفات .. وهذا ما يجعل من حال العابد قبل قاله نورًا يضيء للناس طريقهم .. ويجعل لكلامه وسيره القبول في الأرض ..
من هنا ترجم له أبو نعيم في"الحلية"بقوله: ومنهم من حباه الله الحق بجزيل الفواتح ، وحماه من وبيل الفوادح ، أبو نصر بشر بن حارث الكافي ، المكتفي بكفاية الكافي ، اكتفى فاستشفى .
وقد وردت عدة روايات بشأن تحوله عن الطريق المخالفة إلى حيث آل أمره ؛ منها ما أورده الحافظ ابن كثير أنه كان"شاطرًا"في بدء أمره ، وكان سبب توبته أنه وجد رقعة فيها اسم الله عز وجل في أتون حمام ، فرفعها ورفع طرفه إلى السماء وقال: سيدي اسمك ههنا ملقى يداس !! ثم ذهب إلى عطار فاشترى بدرهم غالية ـ طيبًا ـ وضمخ تلك الرقعة ووضعها حيث لا تنال ، فأحيا الله قلبه وألهمه رشده ، وصار إلى صار إليه من العبادة والزهادة .
وهذا الذي أكرمه الله به جعل لكلامه ـ رحمه الله ـ رونقًا ، لأنه يخرج من القلب فيدخل القلوب في نفاذ وتأثير.
ففي تذوق لما كان عليه من الزهادة الصادقة في الدنيا التي يتقاتل عليها الناس ، وكثيرًا ما تفرق بين المرء وأحب الناس إليه قال رحمه الله: من أحب الدنيا فليتهيأ للذل .
وعند بشر ـ أجزل الله مثوبته ـ تجد الفهم العميق لمكانة العلم ، وضرورة ارتباطه بالتقوى .. وأن القضية جاءت من هنا .. وإلا عاد العلم سلاحًا يرتد إلى صدر صاحبه . قال في ذلك: إنما فضل العلم على غيره ليتقى به .
وفي تعريف مشرق لعز المؤمن وشرفه قال رحمة الله عليه: عز المؤمن استغناؤه عن الناس ، وشرفه قيامه بالليل .
أرأيت ... العز فيما بايع النبي عليه أصحابه من أن لا يسأل أحدهم الناس شيئًا ... والشرف في وقفة العبودية بين يدي جبار السماوات والأرض حيث يقف الذين قال الله فيهم: [تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفًا وطمعًا ومما رزقناهم ينفقون] .
ويبدو أنه كان كثير المحبة لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك من سمات المؤمن الصادق لأن في ذلك وقوفًا عند الذي تمليه نصوص الكتاب والسنة ؛ قال السري السقطي: سمعت بشر بن الحارث يقول: ما أنا بشيء من عملي أوثق به مني بحب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم . وعن علي بن الحسي القاضي ، سمعت عبيد بن محمد الوراق يقول: سمعت بشر بن الحارث يقول: أوثق عملي في نفسي حب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم .
هذا طرف من سيرة هذا الرجل الرباني الذي أكرمه الله بصدق العبودية له ، وحسن الإنابة إليه ، والتزهد في الدنيا ، والعمل لما بعد الموت ... وما أشد احتياجنا ـ والغفلة تضرب بجرانها على القلوب ـ لأن نذكر عمل العاملين وصدق الصادقين ليكون لنا ما به تستيقظ القلوب من غفلتها ... ولنا عودة ـ إن شاء الله ـ إلى سيرة هذا الرجل الكبير والله الموفق سبحانه .
ـ 2 ـ
نحن على موعد مع هذا الرجل الرباني الكبير أجزل الله مثوبته ، وقد رأينا من عهد قريب بعضًا من مآثره وكلماته التي هي انعكاس صدقه واستقامته ، واليوم نعيش مع رسالة أرسلها إلى علي بن خشرم، هي محض النصح ، وسلامة التوجيه ، وصدق الأخوة في الله . وذلك يذكرنا بقول الله تباركت أسماؤه: [الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين] (2) كتب رحمه الله يقول:
إلى أبي الحسن علي بن خشرم: