فهرس الكتاب

الصفحة 25443 من 27345

أ.د. أحمد علي الإمام*

مدلول الشورى

مدلول الشورى اللغوي يكاد يتطابق مع مدلولها الاصطلاحي، إذ كلاهما يدور حول استصفاء الخلاصة للشيء المادي كالعسل، أو للشيء المعنوي كالرأي، والقرينة بينهما قوية الظهور بين العسل المستصفى من غذاء النحل المأخوذ عن عصارات الأزاهر، وبين الرأي المستخلص من تداول الرأي وتبادل المناصحة وتبادل المسئولية الجماعية. فكلاهما يمر بعملية التصفية والاستخلاص، ثم إن كليهما طيب النتاج حسن العقبى، فإلى المدلول اللغوي والاصطلاحي لهذه القيمة الإنسانية العليا، الشورى التي يضع الإسلام أساسها المتين، ويعلي قواعدها على هدي من الله ونور مبين.

المدلول اللغوي

[ أ ] أصل الشورى في اللغة من شار العسل، إذا استخرجه واستصفى خلاصته، واجتناه من خلاياه ومواضعه. قال أبو عبيد: شرت العسل واشترته: اجتنيته وأخذته من موضعه.

ويقال: فلان حسن الصورة والمشورة أي حسن المخبر عند التجربة.

وفي الحديث: ( كان يشير في الصلاة ) أي يومئ باليد والرأس، ( وأشار عليه بكذا ) : أمره به، ( وهي الشورى ) بالضم.. وترك عمر الخلافة بعده شورى، والناس فيه شورى.

واستشاره: طلب منه المشورة، وكذلك شاوره مشاورة وشوارا،وتشاوروا واشتوروا. [ب] وفي"المفردات في غريب القرآن"للراغب الأصفهاني: ( التشاور والمشورة والشورى: استخراج الرأي بمراجعة البعض إلى البعض ) وشاورته واستشرته: طلبت منه المشورة والرأي .

[ج] وفي معجم مقاييس اللغة لابن فارس: ( شور) الشين والواو والراء أصلان مطردان، الأول منهما: إبداء شيء وإظهاره وعرضه، والآخر:أخذ الإبداء. فمن الأول قولهم: شرت الدابة شورا، إذا عرضتها، والمكان الذي يعرض فيه الدواب هو المشوار. ومن الثاني قولهم: شرت العسل أشوره أي أخذته. وقد أجاز أناس: أشرت العسل. والمشار الخلية يشتار منها العسل.

[د] قال بعض أهل اللغة: من هذا الباب شاورت فلانا في أمري قال: وهو مشتق من شور العسل، فكأن المستشير يأخذ الرأي من غيره .

[هـ] وعليه يتضمن المدلول اللغوي للشورى ما يلي:

*إبداء الشيء وعرضه.

*وإظهاره، وهو مرحلة أعلى من الإبداء.

*اتصاف الرأي المعروض بالحسن والاستنارة، فليس كل رأي عنّ للإنسان عُرض.

المدلول الاصطلاحي للشورى:

[1] ومعنى الشورى اصطلاحا:الاجتماع على الأمر ليستشير كل واحد صاحبه ويستخرج ما عنده. أو هي اجتماع الناس على أمر ما يُعرض بينهم، للتداول فيه، من أجل استخراج ما يُرى صوابا.

[2] والشورى: الأمر الذي يتشاور فيه.

[3] والشورى: ( عرض الأمر على أهل الخبرة حتى يعلم المراد منه ) .

[4] وهي: ( اختبار ما عند كل واحد منهم ـ أي المستشارين ـ واستخراج ما عندهم ) .

[5] ويُطلق على الموضع الذي يتم فيه التشاور مجلس الشورى.

[6] وعليه فالشورى تعني: اجتماع الناس على أمر ما لتداول الرأي، واستخلاص الصواب منه في المسائل المعروضة لاستصدار القرار.

ويجتهد بعض الفقهاء المعاصرين في تقديم تعريف جامع للشورى فيقول: ( ولعل أجمع تعريف للشورى بمعناها الفقهي العام الشامل لمختلف أنواعها هو القول بأنها رجوع الإمام أو القاضي أو آحاد المكلفين في أمر لم يُستبن حكمه بنص قرآني أو سنة أو ثبوت إجماع إلى من يُرجى منهم معرفته بالدلائل الاجتهادية من العلماء المجتهدين، ومن قد ينضم إليهم في ذلك من أولي الدراية والاختصاص ) .

وهكذا فإن الشورى في الاصطلاح الذي يتوخاه الإسلام، يمكن أن تتسع لتعبر عن ( استخلاص الرأي الجامع أو الراجح من خلال الحوار الجامع ) . هذا هو مطلوب الشورى، فإن لم يكن رأي جامع فرأي راجح لدى استصدار القرار، مما ينعقد عليه العمل الجامع لدى التطبيق والتنفيذ.

الشورى في القرآن الكريم

ويتناول هذا المبحث مرجعية الشورى من القرآن الكريم، فيردفها بمرجعيتها من السُنة النبوية المطهَّرة. فالمبحث يتناول ما ورد في كتاب الله الحكيم من أمر الشورى، وبما يجلي مدلولها ويعلي حجيتها.. وهو يعالج أثناء ذلك مدى إلزاميتها، وذلك من حيث هي مدخل إلى نظام سياسي متكامل، كما هي صلة وشيجة لسائر مناهج الحياة العامة والخاصة.

[1] والمرجعية الأولى في استمداد مبادئ الشورى وقواعدها للقرآن الكريم، حيث جاء قوله تعالى: (فَِبمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللهِ لنِْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاستَغفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ في ِالأَمْرِ فِإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ) (6) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت