الكاتب: الشيخ د.سعيد بن ناصر الغامدي
هناك فرق كبير بين من يقع في المعصية والمخالفة الشرعية وهو معترف بأنها معصية أو مخالفة , ومن يقع فيها ويبحث لها عن مسوغات شرعية وحيل عقلية وفذلكات مصحلية .
المخالف للشرع وأحكامه مع إقراره بأن فعله مخالفة قريب من التوبة , يوشك أن يندم ويعود وينيب إلى ربه (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فاؤلئك يتوب الله عليهم وكان الله عليمًا حكيمًا) .
أما من يخالف أحكام الإسلام المعلومة , ويتستر بالتأويلات ويتمحل في الأعذار , ويضرب صدورها بالأقوال البشرية , ويصرف مدلولها الصريح بالاستنباطات الذهنية , ويتحكم في مضامينها , بالشعارات المصلحية ,فذلك أوجب على نفسه البقاء في صحاري التيه, يتبع السراب يحسبه ماء, ويبني قصورًا على الرمال, ويرسم ويكتب فوق سطح الماء ( قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالًا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ) .
بنى أصحاب السبت أحواضًا للصيد يوم السبت ,وسدوا منافذها ليستخرجوه يوم الأحد, بتأويل عقلي مصلحي يعتمد على مقصد اقتصادي, وهدف معيشي.
والصالحون في تلك القرية انقسموا إلى قسمين ,أحدهما آثر السكوت لأنه لا فائدة من النصيحة ،بل ناقش القسم الثاني الذين قاموا بواجب النصح والإصلاح, وقالوا قولتهم الشهيرة (لم تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم) وكانت النتيجة أن أنزل الله هلاكه بصيادي الأسماك المتذرعين بالمقاصد الاقتصادية , وبالساكتين عن الفساد المتوسلين بالمصالح الاجتماعية, وأنجى الله الذين كانوا ينهون عن السوء.
ما أكثر ماتتداخل المصالح الشخصية والأعراف الاجتماعية الفاسدة , مع التأويلات المصادمة لحقائق الدين , والمخالفة لكلياته وقواعده ومحكماته.
وهو أمر مستغرب جدًا من أي مسلم يعلن رضاه بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا , والأشد غرابة وشناعة أن يصدر ذلك من طالب علم شرعي أو فقيه أو متفقه.
وهذا مايوجب على كل طالب نجاة وفلاح أن يفرق بين الدين المنزل والدين المأول والدين المبدل, وللحديث بقية...