فهرس الكتاب

الصفحة 12542 من 27345

بقلم: الدكتور/ جمال الدين الفاروقي (*)

المقدمة:

إنّ أكبر حدثٍ شهده العالم منذ القرن السابع عشر هو قضيّة الاستعمار؛ حيث بدأت القوات والدول الأوروبية تسيطر على الدول الضعيفة في القارة الآسيوية والإفريقية عن طريق الاستعمار والاستيطان الذي يهدف إلى مَحْوِ شخصية وهويّة الشعب الأصلي في دولة . وفي الحقيقة لم يكن الاستعمار إلا بقيّة من بقايا عناصر الحروب الصليبية التي شنَّتْ هجمات شعواء ضدّ المسلمين ببلاد الشرف ، والتي وضعتْ أوزارها عام 1291. وكانت الهزيمة التي لحِقَتْهم في تلك الحروب جَعلَتْهم يفكّرون بِكُلِّ جِدِّيَّةٍ في تنفيذ خُطةٍ أخرى ذات الأثر البالغ في تَهْمِيشِ المسلمين العرب ، يدلُّ عليه ما قاله الملك لُويس التاسع ، قائد الحروب الصليبية: Mإن قُواتنا وأسلحتنا لاتُفيد شيئًا في هجومنا على المسلمين، وأقلُّ ما يجب علينا هو أن نردّهم القَهْقَرَى من عقيدتهم التي هي كلُّ قُوتِهم ومَصْدَرُ ثِقَتِهِمْL ولم يكن عام 1291 خِتامًا لتلك الحروب ، بل بَقِي لديهم الكَثِيرُ والمُثِيرُ في جُعْبَتِهم؛ ولكن المجتمع الإسلامي لم يَفْطَنْ إليهم إلا في عام 1917؛ حيث هاجم القائد الإنجليزي (Lamby) بقواته على القدس، وصاح قائلًا: الآن اِنْتَهَتْ الحرُوبُ الصَّليبيّة .

وما احتلال MنابليونL إلا مرحلةُ نُضوج الاستعمار، تَمَّ فيها حَصَادُ ما بذروا من قبلُ. وبالتالي قَسَّمُوا البلاد الشرقية بين بريطانيا وفرنسا، وذلك بِمُوجَبِ مَيثَاق (سَاكْسْ بَاكُو) ؛ حيث صارت مصر والسودان والعراق وفلسطين وإيران ونيجيريا في قبضة بريطانيا ، كما سَيْطَر الفرنسُ على سوريا ولبنان وتونس والجزائر والمغرب الأقصى وموريتانيا والسينغال وإفريقيا الشمالية. وصارت هذه البلاد تَرْزَخُ في بَرَاثِنِ الاستعمار الغاشم ، اِسْتَغَلَّ رجالُهم فَقْرَ أهل الشرق وجهلَهم وضَعْفَ الوعي السياسي لديهم ليَتَخِذُوا من ذلك مَدْخَلًا للقيام بعمليّة الغَزْو الفكري والثقافي الذي هو أدْهَى وأَمَرُّ من القنابل النَوويّة .

وأهدافُ الاستعمار في العصر الحاضر لاتختلف كثيرًا عن أهدافهم في الماضي الغَابِرِ. وهُمْ لا يأتون لعملٍ خيريٍّ ؛ بل لهم أعمال من دون ذلك هُمْ لها عاملون . هذا ما فعله MنابليونL يَوْمَ دخل مِصْر، وما كان فعله - ولايزال يفعله - بُوشْ يوم هَدَم العِرَاق .

وقد نجح الاستعمار إلى حد كبير في تحريف مفهوم المُصْطَلَحات الأدبيّة . وعلى سبيل المثال: الحَدَاثَةُ التي طالما نسمع في المجال الأدبي والتي يَنْشُدها الكتاب والشعراء لِتَجِدَ أعمالُهم الأدبيةُ المزيدَ مِن القبول والرواج . والحداثَةُ في الحقيقة ليست إلاّ النظر إلى تجارب الحياة برؤية إِبْدَاعيّه هادفة مُسْتَقِلّة ، بهدف تطوّر الفكر وغرس النزعات الفعّالة لبناء القِيَم والسلوك ؛ ولكن المفهوم الاستعماري الغَرْبي للحداثة يَنْطلِقُ أصْلًا من القطيعة من الماضي وتُراثه العتيق العريق ، زعمًا منهم أنه أساطير وخُرفات كما يرونها ثَوْرةً على القِيَم وإشاعةً لروح التفسخ والخلاعة .

كما أغاروا باسم الحداثة على اللغة العربية بذاتها. وهي - كما نعلم - اللغة الوحيدة التي احتفظت بتراث أربعة عشر قرنًا ، بدون أن يصيب أصالتها وهويّتها شيء . إلا أن مذهبًا في نهاية القرن الثامن عشر قام بدعوة إلى نشر اللغة العربية العامّية. وأول من تولّى كبرها (William Spita) صاحب كتاب Mقواعد العربية العاميّة في مصرL كما طعن السيد William Cocks في كيان اللغة العربية قائلًا: إن سبب تقهقر المصريين هو عدم قدرتهم للتعبير الأفصح. وقد عرف منهم العالم العربي مخبوء ضميرهم ؛ حيث قال قائلهم: Mالفصحى لغةُ أجيالٍ مضى عهدُهاL . وغرضهم الأثيم من وراء الستار واضح: هو إيجاد الفرصة للتدخل في لغة القرآن والحطّ من شأنها وتحويلها إلى مستوى العامية حتى يبدأ الناس يتشككون في صحة لغته .

وبفضل الوعي الاجتماعي الذي ساد أهلَ الشرق في أوائل القرن الماضي وبمقاومتهم المستمرة، أستقلت تلك البلاد من قبضتهم ، إلا أن فلول تلك القوات نجحوا تمامًا في تنفيذ خطتهم الاقتصادية بين قاطني الشرق ؛ حيث نرى أسواق الدول العربية مائجة بالمنتجات الغربية ، وما من مؤسسة تجارية في الغرب إلا وهي تغزو بمنتجاتها أسواقَ الدول العربية سعيًا وراء الاستقرار الاقتصادي بجلب العملات الأجنبية .

الاستعمار في المغرب العربي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت