فهرس الكتاب

الصفحة 25382 من 27345

نصيحة وبيان

بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي

صدر الإِعلان عن قيام الدولة الفلسطينية المستقلة في 5 ربيع الآخر 1409هـ الموافق 5تشرين الثاني 1988م ، بين شعارات ( وثيقة الاستقلال ) وهتافات النصر . ولأهمية القضية الفلسطينية ، وأهمية القرار والأحداث ، فلابد من أن يكون للمسلمين رأي يقوم على أساس من الكتاب والسنة ، وعلى أساس من الأحداث والتاريخ والواقع ومسئوليات المستقبل ، رأي نصدق به النية خالصة لله ، مبرأة من شهوات الدنيا ، رأي يسترشد مع هذا كله بالماضي تاريخًا ووثائق .

إن بيان هذا الرأي بهذه الأسس واجب شرعي ، حتى تقوم النصيحة الصادقة للأمة كما أمر الله ، وحتى نبرئ أنفسنا بين يدي الله العزيز الجبَّار .

ومن هذا المنطلق لا نعتبر اختلاف الرأي سبب شقاق ومصدر تدابر ، ولكننا نعتبر وحدة الصف والتقاء العزائم لا يقوم إلا بالآراء الصادقة والشورى العاملة ، وفي جو مشرق بالإيمان والعلم بالكتاب والسنة ، وحرية الرأي التي تقوم على ذلك كله .

إن الحقيقة الأولى التي يجب بيانها وإقرارها للناس جميعًا هي أن فلسطين أرض إسلامية منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا وإلى أن تقوم الساعة ، ولا ينفي هذه الحقيقة عدوان طارئ يظهر بين حين وآخر في تاريخها . ولكن هذه الحقيقة هي أساس كل رأي وموقف واتجاه ومصدر كل قوة لصد أي عدوان والصمود أمامه . ولقد جعل الله سبحانه وتعالى هذه الأرض أرضًا للإسلام ، وملكًا للمسلمين في آيات كريمة ، وأحاديث شريفة ، نبوات تتوالى كان محمد صلى الله عليه وسلم خاتمها وسيدها .

لذلك لا يقرر مصير أرض فلسطين ولا حقوق أي شعب فيها إلا الإسلام فلا حق لأحد من الناس ، ولا للهيئات الدولية ولا حق لإنسان يحوطه النفر الكثير والزخرف والغرور أن يدعي حق التصرف بها ، أو التنازل عن شبر منها ، أو الإقرار بظلم وعدوان .

فلا الديمقراطية التي أخرجت المسلمين من أرضهم في فلسطين ، والتي ارتكبت أبشع جرائم الأرض بحق الإنسان ، ولا الديكتاتورية التي سحقت الأمم والشعوب ، وحملت مع الديمقراطية راية العدوان ، فألهبتا الأرض نارًا ، وفجرتاها براكين ، ونشرتا الفزع والقلق ، وهؤلاء كلهم لا حق لهم أن يقرروا مصير أرض حكم الله وقرر أمرها ، ولا حق لهؤلاء أن يدعو أنهم ( حماة السلام ) ، فنخضع نحن المسلمين لمعاني السلام المزيف الباطل الذي يدعونه ، فنساوم على حقوق السلام ، ونفرط في أرض المسلمين . ولا ننسى كلمة السلطان عبد الحميد الذي ضحى بملكه ليوفي بالأمانة وهو يقول للمساومين ما معناه:"هذه أرض المسلمين فلا أملك أن أفرط بشيء منها". ولا ننسى فتوى علماء المسلمين الذين حرموا التفريط بأي شبر من أرض الإسلام ، ولا فتوى بعض علماء المسلمين إلى بعض زعماء العرب يقولون ( إن جعل ولاية لليهود في بلاد الإسلام أمر باطل ومحرم ... ) . ولا ننسى أن تاريخ الأمة كلها أعلن هذا الرأي وقدم من اجله الملايين من المسلمين يسقطون في ميادين الجهاد دفاعًا عن الحق الإِسلامي ، في تاريخ طويل ، فالاعتراف بكيان اليهود جريمة وعمل حرام ، ومن أكبر الكبائر .

إن تاريخ قضية فلسطين في العصر الحديث يكشف بصورة جلية التقاء مصالح الدول الغربية والشرقية واليهود على إقامة كيان لليهود في أرض فلسطين ، ليكون هذا الكيان اليهودي جزءًا من خطة أوسع في غارة واسعة ، وهدفًا واحدًا يمهد لأهداف أكبر . ويكشف تاريخ القضيّة كذلك أنَّ كل تنازل منا في قضية بدت صغيرة في حينها ، كان قاعدة لتنازل أكبر ولعدوان عليها أوسع . ولقد ظل اليهود ثابتين على دعواهم الباطلة لا يتزحزحون عنها إلاَّ إلى طلب المزيد ، وظللنا نحن نبدل في شعاراتنا ومطالبنا في تراجع مدمر ومهين .

ويكشف تاريخ القضية كذلك أن قوى الأعداء تتحرك في مخطط مدروس واسع ، وأن مواقفنا في كثير من الأحيان مرتجلة ، وفي أحيان أخرى تتفلت من عقيدة وتترك ركائز الأمة ، وأننا كنا نزين الهزيمة البشعة للناس حتى نوهمهم بأنها نصر ، حتى أخذت الأحداث تتوالى ، كل حدث يمهد للحدث الذي يليه ، ثم تجتمع الأحداث كلها لتغرس روح الهزيمة ونفسية الاستسلام وتمد في الأمة كلها ، وفي الفلسطينيين خاصة حياة المعاناة والقلق .

ولا ننكر أن هذه المعاناة الممتدة والخطط لها ، بجميع ظروفها وتاريخها قد توجد لدى فريق من الناس رؤية تنبع من ضغط المصالح المادية والضعف البشري ، والرغبة في النجاة من المعاناة وشقائها ، ولكن هذه الرؤية والأماني لن تنقل الإِنسان الفلسطيني خاصة والمسلم عامة من معاناته إلاَّ إلى معاناة أشد ، ولن ترفع الخطر إلا ليمتد إلى عمق أبعد ورقعة أوسع وشر أكبر ، حتى يعم البلاء ويطغى المصاب ، وما عرف تاريخ الإنسان في الأرض أن الهوان والاستسلام يرفع ذلا أو يزيح شرًا أو يمسح ألمًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت