فهرس الكتاب

الصفحة 6776 من 27345

الحلقة (32) الجمعة 25 شعبان 1396هـ-20 آب (أغسطس) 1976م

العلامة محمود مشّوح

(أبو طريف)

بسم الله الرحمن الرحيم

أما بعد أيها الاخوة المؤمنون:

فنحن اليوم مع سورة التكوير يقول الله جل وعلا بسم الله الرحمن الرحيم:

(إذا الشمسُ كورت. وإذا النجوم انكدرت. وإذا البحار سجرت. وإذا الجبال سيرت. وإذا العشار عطلت. وإذا الوحوش حشرت. وإذا البحار سجرت وإذا النفوس زوجت وإذا الموؤودة سئلت. بأي ذنب قتلت. وإذا الصحف نشرت. وإذا السماء كشطت. وإذا الجحيم سعرت. وإذا الجنة أزلفت. علمت نفس ما أحضرت)

ولو كنا إنما نفسر القرآن، وننظر في آياته من أجل التفسير وحسب، لكان المنطق قاضيًا أن نلج الموضوع مباشرة، وأن نعمد إلى هؤلاء الآيات، وإلى ما يتلوها من آيات السورة؛ فنشرحها وفقًا لدلالات اللغة، ثُمَّ نؤولها تبعًا للمعاني والأغراض التي سيقت لأجلها. ولكنا ننظر في بعض سور القرآن بهدف حددناه من قبل، ومن منظور خاص هو منظور السيرة النبوية، ووفاقًا لقواعد خاصة هي قواعد الحركة الإسلامية وقوانينها فمن أجل ذلك لا بد لنا أن نتعرف على الحوار الذي سيقت له هذه الآيات والسورة.

ولقد سمعتم الآن فواتح السورة الكريمة، وعلمتم من أجل أي شيء سيقت هؤلاء الآيات، وعلى أي غرض انصبَّ هذا الكلام الإلهي؛ فالمسألة كما رأيتم، تجسيم لهول يوم الفزع الأكبر، تصوير لجانب من جوانب اليوم الآخر يوم تُبَدَّلُ الأرض غير الأرض والسموات، ويوم يجثو الكل بين يدي الجبار المتكبر - لا إله إلا هو - ولعلكم لكثرة ما ألفتم سماع تذكير المذكرين، وتخويف المخوفين، لعلكم لذلك لا تحسون ما ينبغي أن يحس به المسلم وهو يسمع هذه الآيات وأشباهها، ولكنكم خليقون أن تغيروا تفسيركم هذا إذا علمتم أنه لا يوحد في الإسلام شيء مقطوع الصلة ببقية الأشياء فالإسلام مخطط حياة ومنهج عمل، وصراط للسلوك، ومنظومة للعقيدة؛ وكل أولئك يتبادل التأثير بعضه مع بعض ثم كل أولئك يجتمع ليؤدي الغاية التي أنزل من أجلها هذا القرآن وابتعث فيها رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

لكي نزيد المسألة وضوحًا أكثر فلا بد من أن نؤكد أن مسألة اليوم الآخر وما يتبعها وما يكون فيها شغلت حيزًا كبيرًا من القرآن الكريم لعله أن يبلغ ثلاثة أرباع ما أنزل من هذا الكتاب، وخليق بالإنسان المسلم حينما يعرف هذه الحقيقة الصغيرة الأولية أن يتساءل: هل الأمر على كل هذه الدرجة من الأهمية؟

ثم إذا كان على كل هذه الدرجة من الأهمية، فما عرض الله جل وعلا في القرآن وما نطق به رسول الله صلوات الله عليه في أحاديثه الشريفة مما يتعلق باليوم الآخر، أيقصد به أن تنخلع القلوب، وأن ترتجف الأفئدة، وأن يأخذ الناس رعب يلفهم من أقطارهم جميعًا؟ أم المسالة لها جوانب أخرى لا بد لدارس القرآن، إن كان دارسًا، من أن يتبينها، ولا بد لصاحب الدعوة، إن كان يمهد للدعوة إلى الله، من أن يتعرف عليها، ولا بد للأمة حينما ترسم مناهجها وتحدد أهدافها، من أن تعرف هذا كله؟

لا بد لنا الآن من أن نمهد للأمر، وأن نضع هذه القضية في حاق موضوعها من سياق هذا الإسلام كي لا تضيع الحدود ولا تنبهم الغايات. إن هذا الإسلام كما عرفتم وكما رددنا على مسامعكم عشرات المرات جاء لغاية.. الله ليس بحاجة إلى سلوى يتسلى بها وليس بحاجة إلى وسائل للهو والعبث جل الله، وتعالى الله عن ذلك يقول الله: (وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين ولو أردنا أن نتخذ لهوًا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين) فالكون الذي صدر عن الله تبارك وتعالى ذو غرض ذو غاية ذو هدف وهذا الغرض لا يتعدى نطاق البشرية التي أنزل لها هذا الإسلام وواجب البشرية أن تتعرف على هذه الغاية بكلمة جامعة هذا الإسلام كله بما فيه من وصايا وتعاليم ينساق نحو غاية أولية هي أن يعاد تكوين الإنسان بما يتلاءم مع الناموس الكوني العام الذي يحكم الوجود كله والذي تدفعه صفة العبودية لله جل جلاله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت