بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي
1_ تمهيد:
إن المسلمين يمرّون اليوم في ظروف تجاوزت كل حدود الهوان والمذلة، مما يفرض أنّ تستنفر الأمة قواها كلها لحماية ديارها وأعراضها ولحماية دينها قبل كل شيء. إننا نريد من الأدب الإسلامي أن يخوض معركة الإسلام بكل قواه، ليكون أدبًا يشدُّ الأبصار ويقرع القلوب ويهزُّ النفوس. فقد كان سلاحًا عظيمًا في دعوة النبوّة الخاتمة وفي معركتها وملاحمها، سلاحًا متميّزًا بخصائصه وروحه وألفاظه وأهدافه، ولم يكن تابعًا لليونان ولا مقلدًا للرومان، وإنما كان شيئًا جديدًا يقوم على أسس راسخة، أدبًا عزَّ بأمته وعَّزت به أمّته، كان روحًا جديدة في حياة البشرية.
إننا نريد التعريف الذي يربط الأدب الإسلامي بمصدره، ومنطلقه، وولادته، ولغته، ومصادر جماله.
لذلك لا بدّ من إقرار الأسس الثابتة والتصور الرئيس النابع من الإيمان والتوحيد ومن منهاج الله، الأسس والتصور الذي لا يجوز الاختلاف فيه، والذي تنبع منه سائر القضايا وترتبط به.
لقد نال الأدب تعريفات مختلفة وتصورات متباينة، لدى مختلف الشعوب، ينطلق كلٌّ منها من تصوّرات فكريّة أو فلسفيّة أو عقائدية. وكلّ تعريف من هذه التعريفات كان يعطي ظلًا لجانب من جوانب الأدب، حتى لا تكاد تجد تعريفًا واحدًا جامعًا وافيًا.
لا مجال لنا هنا لتعداد ذلك، ولكننا لو عدنا لابن خلدون في مقدّمته لوجدنا أنّه اعتبر الأدب أحد علوم العربيّة التي عددها كما يلي: علوم النحو، علم البيان، علم اللغة، علم الأدب. ثم تحدّث عن علم الأدب حديثًا نقتطف منه قوله:"... وإنما المقصود منه عند أهل اللسان ثمرته التي هي الإجادة في فنّي المنظوم والمنثور على أساليب العرب ومناحيهم...." (1) . ولكن ابن خلدون قدّم في بحثه هذا بعض خصائص الأدب العربي أكثر مما قدّم تعريفًا.
ولقد قدّم د. محمد مندور عدة تعريفات للأدب عند نقّاد الغرب ومفكّريه في كتابه"الأدب ومذاهبه"، مثل:"الأدب صياغة فَنِّيَّةٌ لتجربة بشرية"، أو"الأدب نقد للحياة" (2) . ونرى هنا كذلك أن هذه التعريفات تعطي ظلاًّ من ظلال الأدب أو جانبًا من جوانبه أو خاصة من خصائصه، دون أن تقدّم التعريف الشامل الذي يُغني.
إن مفهوم الأدب في الإسلام وفي اللغة العربيّة ينبع من تصورات أعظم وأشمل، ومن قواعد أثبت في حياة الإنسان و أشد رسوخًا مما عرفته الآداب الأخرى. فلفظة الأدب في اللغة العربيّة مرتبطة من حيث الأساس بالخلق الكريم، ليرتبط به كل ما تقدّمه هذه اللفظة من عطاء بعد ذلك. وجاءت الأحاديث الشريفة لتعمّق هذا المعنى وتربطه بالفطرة السليمة، والدين الحقّ، والكتاب والسنّة، وصفاء الإيمان وصدق التوحيد، وسلامة التصوّر وأمانته، مما لا نجده في أيّ لفظة دالّة على هذا العلم في أيّ لغة أخرى. فلا بد أن يبرز تعريف الأدب الإسلامي هذا التميّز العظيم، لمفهوم الأدب الإسلامي ومنطلقه.
ولم يكن عند العرب أول الأمر، ولا عند انطلاقة الدعوة الإسلامية، عُرْفٌ يقضي بوضع التعريف أو المصطلحات. فلا نجد في تلك المراحل ظاهرة تعريف الأدب أو ربطه بالإسلام أو غيره. فعند العرب كان الأَدبُ أَدبَهم ينتمي إليهم ويخرج منهم وعنهم وعن لغتهم العربيّة، دون أن يأخذ مصطلحًا علميًا خاصًا به. وفي الإسلام أصبح الفكر، والأدب كله شعره ونثره، والخطبة والموعظة، والسياسة والاقتصاد والاجتماع، وغير ذلك، كلّ ذلك كان إسلامي المنبت والمنطَلق والعطاء والصياغة والهدف. فلم يكن هناك حاجة لأن يُسمّى الأدب بالأدب الإِسلامي، لأنه لم يعد في الإسلام غير أدب الإسلام، ولم يعد في الأمة شيء لا ينبع من الإسلام أو يرتبط به، دون أن يبالي أحد بالمصطلح، شأنه في ذلك شأن السياسة والاقتصاد وسائر ميادين الحياة.
فلا عجب أن لا نجد مصطلح الأدب الإسلامي آنذاك، أو مصطلح الأدب الملتزم بالإسلام، وأن لا نجد تعريفًا له، فلم يكن العرف مباليًا كثيرًا بالمصطلح أو التعريف، وإنما كان يقدّم الخصائص الثابتة والسمات البيّنة من ناحية، ومن ناحية أخرى لم يكن الإسلام يتبنّى غير أدبه، وخاصة في مدرسة النبوّة الخاتمة وسنتها، وعهد الخلفاء الراشدين وسنتهم مما أُمِرنا أَن نعضّ عليها بالنواجذ.
فلا مجال إذن لاعتراض بعض الحداثيين اليوم على مصطلح الأدب الإسلامي وإنكارهم له وادعائهم بأنه لم يكن لدى العرب هذا المصطلح قديمًا، ولذلك لم يكن هناك أدب إسلامي. نعم ! لم يكن هذا المصطلح ولا غيره، ولكن كانت هناك خصائص مميّزة وسمات دالَّة، كلُّها تنطق وتقول: هذا هو الأدب الملتزم بالإِسلام. هكذا كان العرف المتبع في الأدب وغيره.