فهرس الكتاب

الصفحة 1110 من 27345

رئيسي:عقائد:الأحد 28 ذي القعدة 1425هـ - 9 يناير 2005 م

إذا كان الإيمان الصحيح- كما جاءنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم- فيه السعادة العاجلة والآجلة.وأنه يصلح الظاهر والباطن، والعقائد، والأخلاق، والآداب. وأنه يدعو جميع العباد إلى ما فيه من كل خير وصلاح، ويهدي للتي هي أقوم.

فإذا كان الأمر كما ذكرنا؛ فلم أكثر الناس عن الدين والإيمان معرضون، وله محاربون، ومنه ساخرون؟ وهلا كان الأمر بالعكس؛ لأن الناس لهم عقول وأذهان تختار الصالح على الطالح، والخير على الشر، والنافع على الضار؟

نعم كان من المفروض أن يكون الأمر كذلك! واعلم أن الله تعالى قد ذكر هذا الإيراد في كتابه العزيز، وأجاب عنه بذكر الأسباب الواقعة، وبالموانع العائقة، وبذكر الأجوبة عن هذا الإيراد فلا يهول العبد ما يراه من إعراض أكثر البشر عنه، ولا يستغرب ذلك؛ فقد ذكر الله عز وجل من أسباب عدم الإيمان بالدين؛ موانع عديدة، واقعة من جمهور البشر، منها:

1-الجهل بالإيمان: وعدم معرفته حقيقة، وعدم الوقوف على تعاليمه العالية، وإرشاداته السامية. والجهل بالعلوم النافعة؛ أكبر عائق، وأعظم مانع من الوصول إلى الحقائق الصحيحة، والأخلاق الحميدة، قال تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ [39] } [سورة يونس] . وقال: ...وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ [111] } [سورة الأنعام] . وقال: وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [37] } [سورة الأنعام] .

والجهل إما أن يكون بسيطًا: كحال كثير من دهماء المكذبين للرسول، الرادين لدعوته؛ اتباعًا لرؤسائهم وساداتهم، وهم الذين يقولون إذا مسهم العذاب:...رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ [67] } [سورة الأحزاب] .

وإما أن يكون الجهل مركبًا؛ وهذا على نوعين:

أحدهما: أن يكون على دين قومه وآبائه، ومن هو ناشئ معهم، فيأتيه الحق فلا ينظر فيه، وإن نظر فنظر قاصر جدًا لرضاه بدينه الذي نشأ عليه، وتعصبه لقومه، وهؤلاء جمهور المكذبين للرسل، الرادين لدعوتهم، الذين قال الله فيهم:وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ [23] } [سورة الزخرف] . وهذا هو التقليد الأعمى؛ الذي يظن صاحبه أنه على حق، وهو على الباطل.

ويدخل في هذا النوع: أكثر الملحدين الماديين؛ فإن علومهم عند التحقيق تقليد لزعمائهم؛ إذا قالوا مقالة قبلوها كأنها وحي منزل، وإذا ابتكروا نظرية خاطئة سلكوا خلفهم في حال اتفاقهم وحال تناقضهم، وهؤلاء فتنة لكل مفتون لا بصيرة له.

النوع الثاني من الجهل المركب: حالة أئمة الكفر وزعماء الملحدين الذين مهروا في علوم الطبيعة والكون، واستجهلوا غيرهم، وحصروا المعلومات في معارفهم الضئيلة الضيقة الدائرة، واستكبروا على الرسل وأتباعهم. وزعموا أن العلوم محصورة فيما وصلت إليه الحواس والتجارب البشرية، وما سوى ذلك أنكروه، وكذبوه مهما كان من الحق؛ فأنكروا رب العالمين، وكذبوا رسله، وكذبوا بما أخبر الله به ورسوله من أمور الغيب كلها.وهؤلاء أحق الناس بالدخول تحت قوله تعالى: فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [83] } [سورة غافر] .

ففرحهم بعلومهم - علوم الطبيعة - ومهارتهم فيها هو السبب الأقوى الذي أوجب لهم تمسكهم بما معهم من الباطل، وفرحهم بها يقتضي تفضيلهم لها، ومدحهم لها وتقديمها على ما جاءت به الرسل من الهدى والعلم؛ بل لم يكفهم هذه الحال؛ حتى وصلوا إلى الاستهزاء بعلوم الرسل واستهجانها، وسيحيق بهم ما كانوا به يستهزؤن.

ولقد انخدع لهؤلاء الملحدين كثير من المشتغلين بالعلوم العصرية التي لم يصحبها دين صحيح، والعهدة في ذلك على المدارس التي لم تهتم بالتعاليم الدينية العاصمة من هذا الإلحاد. فإن التلميذ إذا تخرج فيها ولم يمهر في العلوم الدينية، ولا تخلق بالأخلاق الشرعية، ورأى نفسه أنه يعرف ما لا يعرفه غيره؛ احتقر الدين وأهله، وسهل عليه الانقياد لهؤلاء الملحدين الماديين. وهذا أكبر ضرر ضرب به الدين الإسلامي.

2-الحسد والبغي: كحال اليهود الذين يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم وصدقه وحقيقة ما جاء به كما يعرفون أبناءهم، ولكنهم يكتمون الحق وهم يعلمون؛ تقديمًا للأغراض الدنيوية، والمطالب السفلية على نعمة الإيمان. وقد منع هذا الداء كثيرًا من رؤساء قريش كما هو معروف من أخبارهم وسيرهم، وهذا الداء في حقيقة الأمر ناشئ عن داء آخر، وهو الكبر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت