إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله . ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ? [ آل عمران: 102 .] ? يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ً? [ النساء: 1] والصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف الأنبياء والمرسلين ، الذي بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فجزاه الله خير ما جازى نبيًا عن أمته . وبعد:
فإن الله تعالى يقول:?يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين? [ البقرة:153]
وقال - صلى الله عليه وسلم:"ما أعطي أحد عطاء خيرًا له وأوسع من الصبر".
إن من خلق الصبر وفروعه الرفق في الأمور، والرفق في معاملة الناس، وترك العنف والقسوة وهذا مظهر من مظاهر خلق الصبر. وكما أوصانا الإسلام بالصبر فقد أوصانا كذلك بالرفق وحثنا عليه، واعتبر المحروم منه محروما من الخير كله.
والرفق في الأمور ، ترك العجلة والخفة فيها، إن العَجِل يقول قبل أن يعلم، ويجيب قبل أن يفهم، ويثني ويمدح قبل أن يجرب، ويندم بعدما يحمد ويمدح، ويعزم قبل أن يفكر، والعجل تصحبه الندامة أو تعتزله السلامة ، وكانت العرب تكني عن العجلة"بأم الندامات".
إن العنف في معاملة الناس يورث العداوات والأحقاد ويدفع إلى الرغبة في الانتقام، متى سنحت الفرصة لتنفيذه ، أما الرفق في معاملة الناس فهو يؤلف بين القلوب، ويمتلك مودتها، من أجل ذلك أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم -أمته بالرفق، وحذرها من العنف ، وخص المسئولين من الرعاة بحديث خاص حيث حذرهم من العنف برعاياهم والتشديد عليهم فقد جاء في الصحيحين وغيرهما أحاديث كثيرة في بيان الرفق والتخلق به والنهي عن العنف وممارسته ، ففي الصحيحين عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -قال:"إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله".
وفي صحيح مسلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -قال:"إن الله تعالى رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على سواه".
وفي مسلم أيضًا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -قال لعائشة:"عليك بالرفق، وإياك والعنف، فإن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ، ولا ينزع من شيء إلا شانه".
وعن جرير بن عبد الله البجلي ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم -قال:"من يحرم الرفق يحرم الخير كله".
وفي بعض الآثار ، ما كان الرفق في قوم إلا نفعهم ، ولا كان الخُرقُ في قوم إلا ضرهم. وقال بعض التابعين كنت أسمع عجائز المدينة يقلن إن الرفق في المعيشة خير من بعض التجارة. وجاء عن عروة بن الزبير أنه قال بلغني أنه مكتوب في التوراة ألا أن الرفق رأس الحكمة. والرفق زيادة بركة. فمن أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة، ومن حرم حظه من الرفق فقد حرم حظه من خير الدنيا والآخرة.
وجاء عن أنس بن مالك t أنه قال: (إذا أراد الله بأهل بيت خيرًا نفعهم في الدين، ووقر صغيرهم كبيرهم ورزقهم الرفق في معيشتهم، والقصد في نفقاتهم، وبصرهم عيوبهم، فيتوبوا منها، وإذا أراد بهم غير ذلك تركهم هملًا) .
إن الرفق من الأخلاق الهامة والضرورية التي نحتاج إليها في حياتنا لأن الرفق في الأمور يصلحها ويعطي أفضل النتائج وأحسن الثمرات.
فالمدرس الرفيق بطلابه الحريص على نفعهم وتعليمهم يكسب ودهم واحترامهم ويفلح في تربيتهم وإفادتهم، وذلك بخلاف المدرس العنيف الغليظ.
ورب الأسرة الرفيق في توجيهه وتعامله مع أهله وأولاده يسود جو الأسرة الحب والاحترام والسكينة والهدوء والتعاون على الخير ، فتنمو في هذه الأجواء الفضائل والمكارم وتختفي النقائص والجرائم. بخلاف رب الأسرة الغليظ العنيف، الذي يملأ بيته بالكراهية والحقد ويسودها جو من القلق والتوتر والآلام.
ومدير الشركة أو المصنع الذي يتعامل مع العاملين بالرفق والحب والاحترام يبادلوه حبًا بحب واحترامًا باحترام ، فتنجح الأعمال ويتضاعف الإنتاج ويحافظ الجميع على ممتلكات الشركة أو المصنع من التلف والخراب كما يحافظون على مقتنياتهم الخاصة نتيجة للرفق والحب الذي يلمسونه ويعيشونه.