أمريكا والانهيار الحضاري: حقيقة أم وهم؟
بقلم خباب بن مروان الحمد
"...فلنتفاءل ولنمضِ على طريق الإباء ، فإنَّ مما يبشرنا أنَّ الأمة الإسلامية ولله الحمد أمَّة شابة نامية ولود ، وراجعة لكتاب لربها وسنة رسولها ، ولا أدلَّ على ذلك من هذه الصحوة الإسلامية ، واليقظة العلمية الفكرية الجهادية الدعوية في أوساط شباب الأمة..."
الحمد لله ناصر المؤمنين ، وقامع الكافرين ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أمَّا بعد:
(إنَّ التاريخ ـ وبالدقة ذاتها ـ لا يكرر أبدًا نفسه، ولكنه غالبًا ما يوجه صفعاته، إلى أولئك الذين يتجاهلونه كليًا)
بهذا سطَّر أحد أشهر المؤرخين المعاصرين الأمريكان [بول كينيدي] مدير مركز الدراسات الأمنية الدولية بجامعة بيل ، وأستاذ التاريخ فيها
وصدق!فإنَّ أمريكا تتجاهل تاريخ الأمم السابقة التي سادت ثمَّ بادت (فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين) ومن الجيد أن نقارن بين واقع الإدارة الأمريكية بواقع الأمم الكافرة التي تكبرت على منهج ربها وآذت عباده ، فلعل الربط بين الواقع الحاضر و تاريخ الماضي يوضِّح لنا دلالات ، ويجلي لنا أمور غامضات ، وقد أمرنا تعالى في محكم التنزيل بأن نعتبر بما وقع للمؤمنين والكافرين من قصص وأخبار حيث قال (فأخذه الله نكال الآخرة والأولى*إنَّ في ذلك لعبرة لمن يخشى) .
ومن هذا المنطلق فلعلي أربط بين منطق الطغاة في القرآن الكريم وأفعالهم مع المؤمنين ، بمنطق طغاة أمريكا وأفعالهم مع عباد الله كافرهم ومسلمهم ، كي يُعْلَمَ أنَّ التأريخ يعيد دورة الأيام ولكن بأسماء أخر، وأفعال تبتكر، وجرائم تحضَّر، وما أشبه الليلة بالبارحة!! ومن جميل كلام الإمام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: (فأمرنا أن نعتبر بأحوال المتقدمين علينا من هذه الأمَّة ،وممن قبلها من الأمم ،وذكر في غير موضع أنَّ سنَّته في ذلك مطَّردة وعادته مستمرة ،فينبغي للعقلاء أن يعتبروا بسنَّة الله وأيَّامه في عباده ، ودأب الأمم وعادتهم) (انظر:كتاب الجهاد لابن تيمية2/7ـ جمع الدكتور/ عبدالرحمن عميرة) .
وعليه فقد أزمعت الرأي مستعينًا بالله في البحث والكتابة لتوضيح سياسات هذه الدولة ليعتبر المسلم قبل الكافر ، مستشرفًا في ذلك المستقبل الذي بدأت خيوط نوره تلمع ، وحجب ظلامه تزول وتُقْشَع ، بأنَّ مصير هذه الدولة إلى سفال ، ولو امتدت الأيام ، فحقٌ على الله ما ارتفع شيء إلا وضعه ، ولن يبقى إلا الإسلام العظيم يحكم البشرية في أرض الله .
فلن ألتفت إلى الزفَّة الإعلامية الصاخبة التي تظهر هذه الدولة بمظهر الكابوس المخيف ، والامبراطورية التي لا تقهر أو التي بدأت تعيد عهد سالفتها بريطانيا بأنها الدولة التي لا تغيب عنها الشمس ،فإنِّي موقن حتمًا بأنَّنا في زمن حجب الحقائق ، وتكميم الأفواه ، وتغطية العيون ، ولن يمنعنا مانع بأن نصدح بحقنا ، ونرفع به عقيرتنا ، ما أحيانا الله ، وقد قال تعالى: (إنَّما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين) ، وما دمنا أحياء نرزق ، وأقلامنا في أيدينا توثق وتطلق، فلنوضح الحقائق ، وإذا كانت العبارة الفرنسية تقول: ( أعطني سطرًا واحدًا لأكثر الناس حرصًا ، وأنا أجد كلمة واحدة يستحق عليها الشنق) ؛فإنَّ كلام خير الحاكمين يقول: (فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنًا قليلًا وإياي فاتقون*ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون) .
ولعلي أستعرض في ثنايا هذا المقال شيئًا من الجرائم الأمريكية مقارنًا مع جرائم من سبقهم من طغاة الأرض ، وفراعين الدهر، سائلًا المولى التوفيق في العرض ، والسداد في الطرح.
1ـ ادِّعاء أمريكا بأنَّها الدولة التي لن تقهر ، والتي توقف التاريخ عندها ، فلن تزول حضارتها ، ولن يفنى شبابها ،فهي باقية أبد الدهر ـ عياذًا بالله من ذلك ـ فلا مانع من التوسع والهيمنة على جميع الدول ولعلَّ أشهر من كتب في هذا العصر عن هذه النبوءة ؛ فرانسيس فوكوياما في كتابه (نهاية التاريخ والرجل المريض) ، فقد ألَّف كتابه محتفلًا فيه بسقوط الشيوعية واندحارها أمام الحضارة الغربية الحديثة ! فالعالم بزعمه لم يعد أمامه شيء جديد سوى هذه الحضارة الغربية وبالذات الأمريكية ، ولهذا فقد أغلق باب التاريخ ولم يعد هناك من يمسك زمامه سوى القوى الغربية وعلى رأسها أمريكا وسينتهي التاريخ عندها ولن تقوم قائمة لأي حضارة بعدها، والحقيقة أنَّ كلام فوكوياما وغيره ممن يتمنطق بذلك ، مبني على مقولة أمريكية قديمة تقول: (إنَّ أمريكا هي العالم ، والعالم هو أمريكا) ولا ريب أنَّ الرجل وقومه يعيدون كلام من سبقهم من الأمم الكافرة حين نظروا لقوتهم وجبروتهم فاستكبروا وقالوا ليس لنا نهاية ولن نزول ، حيث قال تعالى عنهم: (أولم تكونوا أقسمتم من قبل مالكم من زوال) !!.