فهرس الكتاب

الصفحة 3612 من 27345

الأسهم حديث الساعة »

الكاتب: الشيخ د.علي بن عمر بادحدح

الخطبة الأولى

أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:

اسمحوا بي أن أنتقل بكم أو أنتقل معكم إلى مجلس من مجالس رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، يروي لنا خبره وقصته الصحابي الجليل أبو سعيد الخدري رضي الله عنه، كما جاء في صحيح البخاري ، عن أبي سعيد أنه قال: جلس النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم على المنبر وجلسنا حوله، قال: فقال صلى الله عليه وسلم: ( إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها ) ، فقام رجل فقال: يا رسول الله وهل يأتي الخير بالشر ؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ضرب مثلًا ثم قال: ( إن هذا المال خضرة حلوة، فنعم صاحب المسلم ما أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل - قال الراوي أو كما قال صلى الله عليه وسلم- وإنه من يأخذه بغير حقه كالذي يأكل ولا يشبع ويكون شهيدا عليه يوم القيامة ) .

مجلسٌ في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، سيد الخلق يتحلّق حوله وأمامه أصحابه، قلبه الرحيم شفقته على أمته أنطقته بقوله: ( إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها ) .

الصحابة يتعلمون من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيسأل أحدهم متعجبًا مستفسرًا: كيف تكون الدنيا وزهرتها والخير والمال شيء يخشى منه ! قال:"يا رسول الله هل يأتي الخير بالشر ؟"، فسكت النبي - حتى يلفت أنظار الناس - ثم ضرب مثلًا طويلًا في شأن الدابة والإبل عندما تأكل ثم تجتر ثم تستقبل الشمس إلى غير ذلك، ثم بين إن هذا المال خضرة حلوة، نفس تحبه تتعلق به، تشتاق إليه، تحرص عليه، تفكر فيه، تجتهد في جمعه، تسهر الليل في تحصيله، تشقى النهار لأجله، تكاد في بعض الأحيان أن تنقطع له، ولا يكون لها هم سواه، كما وصف سيد الخلق صلى الله عليه وسلم في صورة أخرى عندما قال: (تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش)

لِمَ سمّاه عبدا للدينار أو عبدا للدرهم أو عبد للخميصة أو عبدا للخميلة كما ورد في الحديث، لأنه إذا كان القلب معلقا به والفكر منشغلا فيه والجهد مبذولا له والوقت مستغرقا لأجله، فأي شيء بقي ؟

ثم أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن حقيقة عظيمة، قال: ( ومن يأخذه بغير حقه يكون كمن يأكل ولا يشبع ويكون شهيدا عليه يوم القيامة ) .

من كان همه الجمع والحرص والحب والاستكثار من غير نظر إلى حلال أو حرام، من غير نظر إلى حق الله في المال، من غير نظر إلى أمور كثيرة، سنجثو جميعًا على ركبنا لنتعلمها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه كمن يأكل ولا يشبع، صورة غير موجودة في الواقع المحسوس، من أكل امتلأت بطنه وشبع، لكن البطن التي لا تمتلئ هي البطن التي تريد أن تأخذ أو تأكل كل شيء من حل وحرمة، {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا إنما يأكلون في بطونهم نارًا وسيصلون سعيرًا} .

تأملوا هذا الحديث، هذه القصة البسيطة، وانتقلوا معي إلى حديث صحيح آخر، يصف فيه النبي صلى الله عليه وسلم طبيعة النفس البشرية وصفًا دقيقًا، وهو وصف يتضمن توجيهًا وتنبيهًا وتعليمًا وتربية وتذكيرًا, روى أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( يكبر ابن آدم ويكبر معه اثنان: حبه المال، وطول العمر ) .

وفي رواية مسلم من حديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يهرم ابن آدم وتشب منه اثنتان: حب الحرص على المال والحرص على العمر ) .

السن يتقدم الجسم يضعف، لكن الشباب مستمر ومتجدد في حب المال وحب الحياة، وفي رواية من حديث أبي هريرة عند مسلم في صحيحه قال: ( يشب الشيخ على حب اثنتين: طول الحياة وحب المال ) .

فهذه أيضًا صورة وصفية دقيقة من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأنتقل إلى صورة أخرى لأني أريد أن أريكم صورا أحسب أنها اليوم في واقعنا كأنما هي ضرب من الخيال، لو أن أحدًا جمع الناس كجمع الرسول صلى الله عليه وسلم، وأخبرهم بذلك الحديث الذي أوردناه لعجبوا منه عن أي شيء تتحدث؟! هل تريد أن تخيفنا من الدنيا وزهرتها ونعيمها ؟ لا داعي لذلك التخويف، نحن نأخذ المال نحن ننفقه نحن نعرف حق الله، فهل كان أصحاب محمد لا يعرفون ذلك؟ لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم ويعلم الأمة ؛ لأن المزالق كثيرة وما رأينا زيغًا وانحرافًا في كثير من الجوانب إلا ومرده ذلك المرتع الوخيم، الذي يبدأ يسيرا ثم يعظم في التعلق بالمال وحبه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت