ممدوح إسماعيل
يظهر على السطح بين حين وآخر صوت صارخ لمشكلة للأقباط الأرثوذكس في مصر، مع أنهم يتمتعون بحالة نادرة من المزايا لا توجد لأي أقلية في العالم؛ وذلك منذ دخل الصحابي الجليل عمرو بن العاص مصر وأنقذهم من اضطهاد الرومان الكاثوليك، وقد دخل منهم الكثير في دين الله أفواجًا بدون أي إكراه، وعن طواعية واختيار وحب في الإسلام.
ومما يؤكد عظمة الإسلام في التسامح مع الأديان الأخرى وعدم اضطهاد أصحابها بقاء كثير من الأقباط على دينهم حتى الآن، وهو ما لم يحدث مع المسلمين في جميع دول العالم من اضطهاد، بل وإبادة -كما حدث في الأندلس كمثال-.
وقد وقّع الأقباط الأرثوذكس في مصر مع الخليفة المسلم اتفاقية بابليون عام 20 هـ، التي تضمّنت بنود عقد الذمة التي يلتزم بها النصارى. ولكن مضت السنوات والنصارى يتمتّعون بعدل الإسلام والأمن، ولكن كانت تحدث بعض الخروقات لعهد الذمة، كما حدث من تمرد من بعض النصارى عام 121هـ في عهد الخليفة هشام عبد الملك وتم السيطرة عليه.
وقد تنوعت مواقف الأقباط النصارى في مصر من سعيهم وطلبهم الدائم الحصول على امتيازات تحت دعوى حقوقهم المهضومة، وبين الانسلاخ من الانتماء للوطن المصري والانتماء للأجنبي المستعمر. وكان أبرز موقف لنصارى مصر، وسجّله الجبرتي في تاريخه في المجلد الرابع من تعاون النصارى مع المحتل الفرنسي إبان الحملة الفرنسية، وذكر منهم المعلم يعقوب حنا الذي عيّنه الفرنساوية ساري عسكر، وملطى، وجرجس الجوهري، وأبو طاقية، وبرتيجلى.
ويرصد الدكتور محمد محمد حسين في كتابه الاتجاهات الوطنية، في الأدب المعاصر المجلد الأول ص107 وما بعدها، ويرصد انحياز الأقباط للمستعمر البريطاني المحتل لمصر، وكيف كانت صحيفتا الوطن لمالكها ميخائيل عبد السيد، ومصر التي يملكها تادرس شنودة ويحررها الأقباط، عملت على تأييد الانجليز في كل قراراتهم، بل وذهبت إلى أنهم أمة منفصلة وأنهم سلالة الفراعنة، وأصحاب البلاد حتى عندما جاء الرئيس الأمريكي روزفلت إلى مصر عام1910 وألقى خطبة في الجامعة المصرية غضب منها الشعب المصري كان الوحيد الذي استحسنها الأقباط وغيرهم كثير.
ومضت السنوات، حتى لم يعد أي ذكر أو علاقة للأقباط بعهد الذمة الذي حماهم ومتّعهم بكل العدل، وذلك لسقوط الخلافة الإسلامية وإبعاد الشريعة الإسلامية عن الحكم وتطبيق القوانين الوضعية.
وتصاعدت أساليب الأقباط حتى عقدوا المؤتمر القبطي في أسيوط في 5 مارس عام 1910م، وكانت لهم مطالب تناقض كل بنود عهد الذمة بل تناقض كل مشاعر الانتماء الوطني, وكان التصاق الأقباط بالأجانب معروف للجميع؛ حتى ذكرت جريدة العلم في عدد 7 مارس1911 في مقال بعنوان"وطنيون أم أجانب"، ذكرت إن فخري عبد النور كان متجنسًا بالجنسية الألمانية, وأن بشرى حنا كان وكيل القنصل الروسي, وأنجورجي ويصا وكيل القنصل الأمريكي, وتادرس مقار وكيل قنصل فرنسا.
وفي أزمة وفاء قسطنطين، كان أبرز ما لفت الانتباه حينها هو عودة الأنبا شنودة إلى استخدام سلاح الاعتكاف الذي يخرجه من مكانه كلما استدعى الأمر؛ حربًا لتحقيق مطالبه وتطلعاته، وهو سلاح أو أسلوب دأب على استخدامه الأنبا شنودة منذ توليه كرسي البابوية للأقباط الأرثوذكس خلف للبابا كيرلس عام 1971، وهو رقم 117 فيمن تولى كرسي البابوية للأقباط في مصر, وبالتأكيد فله حريته في اتخاذ ما يراه مناسبًا من مواقف، إذا كان ذلك في إطار المصلحة العامة ومصلحة الوطن.
غير أن المتتبع للأحداث لابد أن يتوقف كثيرًا مع ذلك الأسلوب ومراميه؛ فهو يستفزّ أتباعه ويبتزّ الحكومة، وقد تعددت مشاكل الكنيسة مع الحكومة منذ تولى الأنبا شنودة لكرسي البابوية. واللافت أنه يتصدّر كل مشاكل النصارى، مع أن أتباع طائفته من الأرثوذكس الأقباط لا يتعدى على أقصى تقدير ثمانمائة ألف نسمة.
فقد شهد عام 1977م، عندما شرعت الحكومة في تعديل الدستور بجعل الشريعة المصدر الرئيسي في التشريع، والشروع في تقنيين الشريعة الإسلامية، وبرز وقتها مشروع بقانون لتجريم الردة.. هنا ثارت الكنيسة واعتكف الأنبا شنودة وبالتوازي كان هناك ثورة من أقباط المهجر وتأليب للغرب على مصر.
ومن السبعينات حتى الآن لم يتوقف أقباط المهجر عن أسلوبهم, فتراجعت الحكومة عن فكرة مشروع قانون الردة، ولكن الأنبا شنودة لم ينس هو ومن معه التعديل الدستوري بجعل مبادئ الشريعة المصدر الرئيسي للتشريع..
وهنا تساؤل هام: ماذا يضير المسيحيين من قانون الردة إلا إذا كانت لهم أغراض في التنصير؟