فهرس الكتاب

الصفحة 2357 من 27345

أيها المسلمون: إن جماعة من الفقراء ، لا يملكون من حطام الدنيا شيئا ، رأوا جماعة من الأغنياء ، لهم أملاك عظيمة ، وأموال طائلة ، فحسدت هذه الجماعة الفقيرة ، تلك الجماعة الغنية ، بيد أن في أمر تلك الجماعة الفقيرة عجبا ، إذ إنهم لم يحسدوا الأغنياء على كثرة أموالهم أو لأن الأغنياء يملكون العمارات ، والعقارات ، والاستراحات ، ويركبون أفخر السيارات ، ويلبسون أجمل الملبوسات ، ويتنعمون بأنواع المأكولات والمشروبات .

لم يحسدوا الأغنياء لأنهم كانوا يصيفون في أرقى المنتجعات ، ويسافرون إلى الخارج في الإجازات ، ويركبون الدرجة الأولى في الطائرات .

إن الفقراء حسدوا الأغنياء ، بل واشتكوهم إلى ولي الأمر ، وجاءوا بالدليل القاطع على أن الأغنياء لم ينصفوا ، بل استغلوا أموالهم ليفوزوا على الفقراء ، أفضل استغلال .

فلنستمع إلى شكاية الفقراء إلى ولي الأمر من الأغنياء ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالوا يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالدرجات والنعيم المقيم . قال: كيف ذاك ؟ قالوا: صلوا كما صلينا ، وجاهدوا كما جاهدنا ، وأنفقوا من فضول أموالهم ، وليست لنا أموال . قال: أفلا أخبركم بأمر تدركون من كان قبلكم وتسبقون من جاء بعدكم ، ولا يأتي أحد بمثل ما جئتم به إلا من جاء بمثله ؟ تسبحون في دبر كل صلاة عشرا وتحمدون عشرا ، وتكبرون عشرا .

وفي رواية أخرى: وكلتا الروايتين في البخاري: قالوا: يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ، ولهم فضل من أموال يحجون بها ويعتمرون ، ويجاهدون ويتصدقون ، قال: ألا أحدثكم بأمر إن أخذتم به أدركتم من سبقكم ، ولم يدرككم أحد بعدكم ، وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيه ، إلا من عمل مثله ؟ تسبحون وتحمدون وتكبرون ، خلف كل صلاة ثلاثا وثلاثين ، فاختلفنا بيننا فقال بعضنا: نسبح ثلاثا وثلاثين ، ونحمد ثلاثا وثلاثين ، ونكبر أربعا وثلاثين ، فرجعت إليه فقال: تقول سبحان الله ، والحمد لله ، والله أكبر ، حتى يكون منهن كلهن ثلاثا وثلاثين .

ولكن أتظنون الأغنياء يسمعون بهذا الفضل فيزهدون فيه ، ويتركونه ؟ لا ، بل هم سمعوا ذلك فسابقوا الفقراء إليه ، وعملوا بمثله ، فذهب الفقراء يشكون مرة أخرى ، من هذه المزاحمة من الأغنياء ، فقال بأبي هو وأمي: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء .

معاشر المسلمين: هذه هي المنافسة الحقة ، والمسابقة النافعة ، وهذا هو الفرق بين فقرائنا وفقرائهم ، وأغنيائنا وأغنيائهم ، ففقراؤنا متذمرون ، ساخطون يريدون التوسع في أمور دنياهم ، وفي غالب أمورهم ما لا يحتاجونها ، ولا يستعملونها ، ولكن مظاهر وكماليات ، وتشبه بالشكليات ، حتى إن بعضا من الفقراء ركبتهم الديون ، لا لحاجتهم للأكل والشراب ، أو ليستروا عوراتهم بما تيسر من الثياب ، ولكن ليشتروا من أمور الدنيا ما يضاهون به من فوقهم من الأغنياء ، فهم لا ينظرون إلى الأغنياء إلا من جهة حسدهم على ما يملكون ، وما يلبسون ويركبون ، وعلى أرصدتهم الكبيرة ، وغير ذلك مما من الله به عليهم ، فيزاحمون الأغنياء في البذل والسرف ، بطاقات متنوعة ، وسيارات فارهة ، وكلها أقساط وديون ، ومزع لحم الوجه من التعرض للمسألة ، أو الزج في السجون .

وأما بعض أغنيائنا ، فانظر إلى إنفاقهم على اللاعبين ، والمتسابقين ، لا في الرماية والخيل ، ولكن في تفاهات ما أنزل الله بها من سلطان ، يتبارون في الفسق عليه ينفقون ، وللمجون له ينشرون ، فكل فضاء للفساد ينشر ، فأغنياؤنا هم المالكون .

قارن يا عبدالله بين موقف عثمان رضي الله عنه وهو يجهز جيش العسرة ، فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم: ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم وبين من يجهز ويتبنى برامج الخلاعة والعري ، متناسيا: ما أغنى عني ماليه .

وقارن يا عبدالله بين موقف ذلك الفقير

يريد الجهاد ولا يملك شيئا يتجهز به ، فيأتي إلى الحبيب بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم يطلب منه أن يحمله ، ويسطر ذلك الموقف كتاب الله تعالى آيات تنير قلوب المؤمنين: ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ، ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم ، ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون . نعم يبكون ، لأنهم لا يجدون ما ينفقون ، والنفقة التي بكوا لفقدها نفقة لله ، وفي سبيل الله ، ولنصرة دين الله ، ولإعلاء كلمة الله .

يتمنون المال ، ليسهموا فيه في وجوه الخير ، صدقة على الفقراء ، وكفالة للأيتام ، وعمارة للمساجد ، ونصرة للمظلوم .

فأين أنت أيها المحروم ، يمن عليك بالمال الوفير ، فلا حظ فيه إلا للفاسق والحقير ، ويحرم منه المسكين والفقير .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت