سلسلة دراسات إسلامية معاصرة
النظرية المادية
أنور الجندي
منشورات المكتبة العصرية
صيدا - بيروت
###115### النظرية المادية
النظرية المادية نظرية فلسفية ترى أن جميع ما في الكون مؤلف من المادة، ولا وجود لشيء غير مادي في هذا العالم، ولقد تعددت مذاهب الفلسفة المادية منذ أيام"ديمقريطس"اليوناني الذي قال بأن لا شيء موجود إلا بالمادة، ثم تجددت في العصر الحديث.
وكل المذاهب المادية ترى أن المادة، هي الوجود الأصلي للأشياء، وهي بهذا تعارض حقائق الفطرة والطبيعة والعقل والدين، وهي تعارض عددًا من المذاهب الفلسفية، كالمذهب الروحي في الفلسفة لأنها لا تؤمن بوجود الروح، ومن يؤمن بوجود الروح والعقل من الماديين، فإنه يرى أنهما متوالدان من الوجود المادي، أو أنهما صفة طارئة لبعض حالات المادة، كما تعارض النظرية المادية الفلسفية المثالية التي ###116### ترى أنه بالعقل يمكن تفسير سلوك المادة، ونفهم حالاتها وأوضاعها، ولكنا لا نفهم العقل بالمادة لأنها خالية من الوعي والإدراك، وترى النظرية المادية أنه ليس في العالم الملموس خواص ثابتة لذلك فلا يمكن وجود مفاهيم ثابتة ولا قوانين قطعية، ولا تؤمن الفلسفة المادية بالدين، وهي ترى أنه نظام من وضع البشر، ولا تؤمن بحياة أخرى بعد هذه الحياة. وأبرز قواعد النظرية المادية:
لا وجود غير الماد\ة، وأن قوام العالم عنصر واحد هو المادة.
سيطرة القوانين واضطرادها واستمرارها.
إنكار الغائية.
إنكار الغيب"عالم ما وراء الطبيعة"الميتافيزيقا.
وقد ظهرت نظرية المادية في إبان عصر العلم وفتوحاته الضخمة، وقد كان منطلقها تحول نظرية دارون من نظرية بيولوجية إلى نظرية اجتماعية عامة حين تلقفتها الفلسفة، وقد جاء ذلك بعد أن سقطت تفسيرات الدين، وانقسمت الفلسفة إلى مثالية روحية وإلى مادية، ثم سيطر المذهب المادي واستعلى نتيجة لسيطرة العقليات والحسيات والمبالغة في التصور بأنهما وحدهما عنصرا الوجود، أما الجانب الآخر غير ###117### الظاهر فقد صرف النظر عنه نهائيًا، وإن أطلق عليه اسم ما وراء الطبيعة غير أن النزعة العلمية التي سيطرت على الفكر كله، فرضت العقل والحس منطلقًا للفكر، وتجاهلت ما سواهما، وخاصة كل ما يتصل بالعلم عن طريق الوحي والنبوة ورسالات السماء.
ويعد الفيلسوف ديكارت أول من فصل الروح عن المادة فصلا بينًا، ومن ثم تراجعت مفاهيم الغيب وما وراء الطبيعة والروح والفكر، ولا ريب أن أصدق ما يقال في هذا: أن العلم الحديث نظر في المحسوسات والماديات، وقطع شوطًا كبيرًا من الانتصارات، فلما تعرض لما وراء المادة، عجوز بأدواته القاصرة عن تحقيق أي نجاح، ومن ثم أغفل هذا الجانب، وحاول تعليله تعليلا ماديًا، ويرد الباحثون غلبة النظرية المادية إلى نتيجة انتصار المادة مما دعا الفلاسفة إلى الإعلان بأنه لا يوجد غير المادة. حتى الحياة نفسها اعتبرت صفة من صفات المادة من معنى هذا إنكار وجود الروح ومعنى إنكار وجود الروح، هو إنكار لوجود الله سبحانه وتعالى، وللحقيقة فإن العلماء لم يفعلوا شيئًا من هذا، ولم يقرروه، وإنما الذي استحدث هذا وركز عليه ونشره في كل مكان هم الفلاسفة.
###118### ثانيًا: كانت النظرية المادية جزءًا من المعركة التي شنها العلم الحديث ضد المسلمات الجامدة والتفسيرات التي حاول الدين في الغرب أن يقدمها للحياة وتعارضها مع إرادة الله ومع اقتحام الحياة ومع المسؤولية الفردية، ولفساد المفهوم الروحي الخالص الذي ينكر الرغبات البشرية، ويحاول القضاء عليها، وتلك هي الصورة التي تجمعت للدين في نظر كل أصحاب الدعوات المادية، فقد بدأ الدين، وكأنه عقوبة قاسية أو قيد مرهق أو مضاد للفطرة البشرية.