فهرس الكتاب

الصفحة 7073 من 27345

الدخول في البرلمانات.. هل يتعارض مع السياسة الشرعية؟ 27/12/1425

أ.د. ناصر بن سليمان العمر

جاءت الشريعة بتحصيل المصالح وتكميلها ، ونفي المفاسد وتعطيلها، وشريعة الإسلام شريعة خالدة عالمية كاملة، وجاءت لتحقيق مصالح البشر إلى قيام الساعة، ومن شمولية هذا الدين وكماله استيعابه لكل المستجدات، ورعايته للأحوال الحادثة مهما اختلف الزمان والمكان.

ومن أعظم ما عُني به الإسلام ما يتعلق بالسياسة الشرعية، حيث وضع أصولًا ومنطلقات لهذا الجانب العظيم من حياة الأمة، وقد استجدت أحوال وأوضاع في القرون الماضية تصدى لها العلماء بالبيان والتحقيق، وألّفوا في ذلك الكتب والرسائل المعينة على تنزيل تلك الأحوال في منازلها الشرعية، ومن أهم ما أُلِّف في ذلك"السياسة الشرعية"لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -، حيث جلّى كثيرًا من الحقائق، وبيّن الحكم الشرعي في كثير من المسائل المشكلة.

ومما استجد في هذا العصر في جانب سياسة الدول وإدارتها لشؤونها ما يتعلق بالبرلمانات وما شاكلها من مجالس الأمة والشعب والشورى، تختلف الأسماء والحقيقة واحدة، ونظرًا لاختلاف البلدان المنشئة لهذه المجالس، واختلاف الأنظمة الخاصة بكل مجلس عن الآخر تبعًا لاختلاف نظام حكم هذه الدول وسياساتها؛ ولأن المسلمين جزء من هذا العالم الذي توجد فيه هذه المجالس، ولذا نشأت الحاجة إلى بيان الحكم الشرعي في دخول هذه البرلمانات والمشاركة فيها، ولبيان هذه القضية وتحقيق الحكم الشرعي فيها، أقول:

إن نظام الحكم في أي دولة لا يخرج عن إحدى ثلاث حالات:

1-أن يكون نظامًا إسلاميًا عادلًا.

2-أن يكون نظامًا إسلاميًا ظالمًا.

3-أن يكون نظامًا يحكم بالكفر.

فإن كان النظام نظامًا إسلاميًا عادلًا، فإن إنشاء هذه المجالس، واختيار صيغة دخول الأعضاء فيها من باب السياسة الشرعية، ولا حرج في ذلك، وتبعًا لذلك فإن الدخول في هذه المجالس والمشاركة فيها أمر جائز، بل قد يكون واجبًا إذا أمر ولي الأمر بذلك، أو كان مما يتوقف عليه قيام الواجب؛ لأن"ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"، على أن تكون الطاعة بالمعروف، كما جاءت بذلك النصوص.

أما إن كانت الدولة دولة إسلامية ولكنها ظالمة: فإن الدخول في هذه المجالس والمشاركة فيها يتوقف على صيغة نظام المجلس، ومدى تحقق المصالح ودفع المفاسد، وذلك بمراعاة قواعد تحصيل أعظم المصلحتين، ودفع أكبر المفسدتين، بحيث لا يترتب على مشاركته مفسدة أعظم، أو يفوت بتلك المشاركة مصلحة أكبر.

علمًا أن الأصل في المشاركة هو الجواز، والمنع طارئ لأسباب وقرائن تحفّ بالأمر عند تطبيق القواعد المشار إليها آنفًا.

وما يُستأنس به في هذا الباب هو مشروعية الجهاد مع كل بر وفاجر، ما دام القتال شرعيًا.

علمًا بأن الجهاد مع الفاجر لا يخلو من مفاسد معتبرة، لكنها تتضاءل عند مصلحة إقامة الجهاد، وترك الجهاد مع الفاجر أعظم مفسدة من المفاسد المترتبة على المشاركة فيه معه.

أما إذا كان النظام نظامًا كافرًا: فإن الأصل هو عدم جواز المشاركة في تلك البرلمانات لما في ذلك من مفاسد ظاهرة، ولكن نظرًا لاختلاف البلدان، واختلاف حاجة المسلمين في كل بلد يحكم بمثل ذلك النظام، وانطلاقًا من قواعد الشريعة الكبرى في تحقيق المصالح ودرء المفاسد، واستدلالًا بقصة يوسف عليه السلام مع ملك مصر، فإنه يترجح لدي جواز المشاركة إذا تحققت الضوابط التالية:

1-ألا يترتب على المشاركة إقرار للكفر أو عمل به.

2-أن تكون مصلحة المشاركة ظاهرة متحققة لا خفية أو موهومة أو لا اعتبار لها.

3-ألا يترتب على تلك المشاركة مفسدة أعظم من المصالح المُراد تحقيقها، أو المفاسد المُراد درؤها ودفعها.

وعند النظر في تحقيق المصالح ودرء المفاسد من خلال المشاركة في هذه المجالس لا بد من اعتبار ما يلي:

1-بيان أن حق التشريع مقصور على الوحي، ولا يجوز لأحد من البشر مزاحمة هذا الحق.

2-أن المشاركة في هذه المجالس لا تلغي مبدأ الولاء والبراء؛ بل يجب أن تكون هذه المجالس ميدانًا لبيان هذه القضية وتحقيقها والصدع بها حسب مقتضيات المصلحة الشرعية.

3-أن المشاركة في هذه المجالس ليست بديلًا عن المنهج النبوي في إقامة دولة الإسلام وتغيير الواقع الكفري، وإنما هي من أجل تحقيق المصالح وتخفيف المفاسد.

4-أن المشارك في هذه المجالس يجب أن يُظهر للناس أن مشاركته لا تستلزم الرضا بواقع هذه الأنظمة المخالفة للشرع ومؤسساتها الديمقراطية.

ويجب هنا التنبيه إلى ثلاثة أمور مهمة:

الأول: إن الحكم قد يختلف باختلاف العضو المختار للمشاركة عند النظر في قواعد تحقيق المصالح ودفع المفاسد.

الثاني: إن تطبيق هذه القواعد ليس لكل أحد، بل هو للعلماء المعتبرين الذين يحق لهم الاجتهاد في مثل هذه المسائل الكبرى، وتنزيل الحوادث في منازلها الشرعية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت