فهرس الكتاب

الصفحة 13384 من 27345

تفسير سورة البروج(1)

مع تعليق على سورتي ( القدر ، الشمس )

الجمعة 12 ربيع الآخر 1397 / 1 نيسان 1977

العلامة محمود مشّوح

(أبو طريف)

إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون .. أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون:

نحن اليوم في مواجهة سورة كريمة هامة ، لأنها ترشح لدخول مرحلة حاسمة من مراحل الدعوة النبوية الكريمة ، وإنه لمن دواعي أسفي أنني لا أستطيع في الوقت الحاضر أن أبحث السورة على النحو الذي يجب أن تُبحث عليه ، فينبغي أن تتوفر قدرة لا أملكها الآن ، ولكن إن شاء الله تعالى نقدم جهد المقل ، ونرجو أن يكون فيما نقول خير وبركة إن شاء الله تعالى .

رأينا في السورتين السابقتين ( القدر والشمس ) واللتين سبق أن عرضنا لهما وشرحنا ما يسر الله جل وعلا من قضاياهما ، رأينا أمرًا هامًا كنت أريد أن أبادر بالكشف عنه في ذلك الحين ، ولكن وجدت أن الحديث عنه والإشارة إليه لون من استباق الأمور قد يقع في غير مكانه ، فأرجأت الإشارة إليه إلى اليوم حين نتعرض بالنظر للسورة الكريمة التي نحن بصددها . إن الله تعالى كشف للمسلمين في السورتين اللتين مضتا ( القدر والشمس ) عن أمر ذي خطورة بالغة وأهمية كبيرة ، عرض للناس في سورة القدر قضية ينبغي أن يطول وقوف الناس عندها ، وينبغي أن يبذل الجهد الكبير من أجل التعرف على دقائقها .

إن ليلة القدر هذه الليلة التي لا أعظم ولا أكرم ، إنها كانت عند الله وعند الناس وفي التاريخ من حيث هي تُؤرخ لنزول القرآن ، فقيمتها مستمدة من القرآن من الرسالة من الإسلام ، وحين تعرض القضية بهذا الشكل فالواجب على المسلم أن يحاول ما وسعته الطاقة أن يتعرف على وجوه التقدير الموجودة في هذا الدين . إن هذا الدين لا يشرف الناس ويمنحهم القدر والقيمة وحسب ، وإنما يشرف الأيام ويشرف الليالي والساعات ويمنحها القيمة والقدر . وإذا كان للدنيا من تاريخ فإن تاريخها يجب أن يحسب على حساب القيم والمثل والفضائل اعتبارًا من تلك اللحظات الكبيرة العظيمة المقدرة التي كان فيها اليتيم محمد صلى الله عليه وسلم وآله ثاويًا في بطن الغار يرثي لهذه الدنيا ويألم لسخافات الناس ويتأذى بهوان الإنسانية . وإذ هو كذلك صلوات الله عليه يأتيه الأمر من الله جل وعلا بأن يقرأ على الناس هذا القرآن ، ويكون ذلك ، وتقلب صفحات كثيرة سوداء قذرة مضت من عمر الإنسانية الطويل ، كلها أذى وكلها قذى وكلها هوان ، ليفتح الزمان صفحات بيضاء نقية طاهرة يخط فيها الإسلام قدرًا بالدنيا جديدًا ومصيرًا لهذه الإنسانية سعيدًا ويمضي الركب على اسم الله وبركاته ، يقوده اليتيم الثاوي في بطن الغار عليه أفضل الصلاة والسلام ، لتظل من بعد كلمة الله تدوي في الخافقين من بين الدماء والدموع ، ومن وسط الكوارث والأهوال ، ومن خلال النكبات والزوابع يشع نور الله جل وعلا يلوح للحائرين والضالين أن من ههنا الطريق .

ومنذ أن تلقّف محمد صلى الله عليه وآله هؤلاء الكلمات البيضاء عرف لها قيمتها وعرف لها قدرها ، وأدرك جيدًا ـ بأبي هو وأمي ـ أن الدنيا بدأت تستقيم وأن الإنسان قد آن أن يستعيد كرامته المهدورة وحقه المسلوب في أن يكون إنسانًا كامل الإنسانية ، موفور الكرامة عزيز الجانب سيد مخلوقات الله جل وعلا ، ولا يعيب القرآن ولا يعيب هذا الدين أن يتناسى هؤلاء الخلائف من المسلمين قيمة هذه الكلمات المنيرات ، وأن يهمل هؤلاء الخلائف من المسلمين التعرف على قدرهم وقيمتهم المشتقة من الإسلام والمستمدة من القرآن ، وإنما كلامنا كله ما مضى وما هو حاضر وما هو آت ، من أجل هذا فقط ، من أجل أن يدرك المسلمون أنهم ناس لهم في الدنيا قدر وقيمة مؤسسان على كلمات الله ومشتقان من دين الله عز وجل .

فإذا وقفنا عند سورة الشمس وجدنا أمرًا عجبًا وجدنا الله جل وعلا يعرض قضية الإسلام خلال مشاهد الكون التي تمضي رتيبة منتظمة ، لا يطرأ عليها خلف ولا يلحقها انحراف ولا انخراق تحت طائلة التخريب والفناء ، فيستشف المسلم من خلل ذلك أن هذا الدين الذي جاء به محمد عليه وعلى آله الصلاة والسلام إنما شأنه شأن الظواهر الكونية سواء بسواء ، وأن العدوان عليه يشبه من كل الوجوه العدوان على النظام الكوني ، وكما أن النظام الكوني حينما يتطرق إليه الخلل تكون العاقبة فسادًا وتخريبًا ودمارًا وفناءً وكذلك بالضبط العدوان على هذا الدين واختراق حدود القرآن وتجاوز أوامر الله تعالى لا ينتج عنها إلا الفساد والخلل والخراب . والله تعالى ذكر في مواطن عدة من كتابه أمر الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون ، ونهى في مواطن عدة عن الفساد في الأرض .

واتفقت كلمة المفسرين وتراجمة القرآن الكريم على أن الفساد في الأرض هو ارتكاب المعاصي ، لأن إهمال التطبيق الكامل لشرائع الله لا ينتج عنه إلا فساد الدنيا وضياع الآخرة على النحو الذي يشهده الناس في هذه الأيام .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت