فهرس الكتاب

الصفحة 13391 من 27345

الجمعة 10 شوال 1397 / 23 أيلول 1977

العلامة محمود مشّوح

(أبو طريف)

إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون .. أما بعد أيها الإخوة المؤمنون:

نسأل الله القدير أن يعيننا على ما تبقى من مراحل الطريق الذي مشينا فيه منذ أكثر من سنتين ، ونستأنف بإذن الله الكلام عما كنا فيه ، بعد أن شغلتنا عنه لفترة قصيرة شواغل هي إلى السخف والهوان أقرب ، ونرجو أن يتابع الكل معنا هذه الآفاق العالية التي رسمها القرآن للناس وأراد لهم أن يأخذوا بها أنفسهم من أجلهم ومن أجل صلاحهم ، وأجدني الآن مضطرًا لأن أقول: إن الأسلوب المتمهل البطيء الذي كنا نصطنعه فيما مضى يشبه أن يكون أسلوبًا يمد مراحل الطريق إلى غير انتهاء ، لهذا وبرغم مما أعرف من أن هذا الأسلوب الجديد سوف يترك خيبة أمل لدى البعض بالرغم من هذا فأرى أنه من الممكن أن نقتصر على بيان أهم ما تدعو الحاجة إلى بيانه ، ونترك التفصيلات للذين يعنون بالتفصيلات .

بين يدي سورة البلد وسورة الطارق وهما اللتان نزلتا بعد سورة ( ق ) التي فرغنا من الحديث عنها مع آخر جمعة من رمضان المبارك ، وأذكر أن الشوط الطويل الماضي كان ينصب معظمه على هذه القضية الكبيرة قضية وجود الله وقضية الدار الآخرة ، على اعتبار أن الذي لا يؤمن بوجود الله لا خير فيه ، وأن الذي لا يؤمن بالعودة إلى ربه وتقديم الحساب بين يديه لا يؤتمن لا على دنيا ولا على دين ، فلهذا اشتدت عناية الإسلام في تأكيد هذه المعاني ، وطال حجاج القرآن مع المشركين الذين لا يؤمنون أو الذين يشركون مع الله آلهة أخرى ومع الذين يستبعدون اليوم الآخر ويرونه ضربًا من المحال .

فإذا أخذنا بين أيدينا الآن أولى السورتين وهي سورة البلد ، فنحن نجدها تنساب هكذا: ( لا أقسم بهذا البلد ، وأنت حلّ بهذا البلد ، ووالد وما ولد ، لقد خلقنا الإنسان في كبد ، أيحسب أن لن يقدر عليه أحد ، يقول أهلكت مالًا لبدًا ، أيحسب أن لم يره أحد ، ألم نجعل له عينين ، ولسانًا وشفتين ، وهديناه النجدين ، فلا اقتحم العقبة ، وما أدراك ما العقبة ، فك رقبة ، أو إطعام في يوم ذي مسغبة ، يتيمًا ذا مقربة ، أو مسكينًا ذا متربة ، ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة ، أولئك أصحاب الميمنة ، والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشئمة ، عليهم نار مؤصدة ) بهذا الشكل تنساب سورة البلد ، وهي كما ترون تتصل من بعض الجوانب أو من معظم الجوانب بجملة السياق الذي سبق أن عرضناه عليكم من خلال الآيات التي استعرضناها فيها .

والشيء الجديد في الأمر في هذه السورة أن السورة تعنى ببيان شيء من شأن الإنسان وهذا جديد وخليق بالنظر الطويل . ونبدأ ونقول:

في قوله تعالى ( لا أقسم بهذا البلد ) قسم منفي على غرار الأقسام السابقة ، والقسم المنفي يفيد وفاقًا لاصطلاحات الناطقين بلغة القرآن تأكيد المقسم عليه ورفعه إلى مقام البداهة ، فإن القائل بأسلوب القسم المنفي يريد أن يقول لك إن الأمر لشدة وضوحه وبيانه وبداهته لا يحتاج إلى القسم ، لأنه فوق القسم ، فقوله تعالى ( لا أقسم بهذا البلد ) هو من هذا الباب ، تأكيد للمقسم عليه ورفعه إلى مكان البداهة لأنه واقع مشهود .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت