فهرس الكتاب

الصفحة 21801 من 27345

لماذا الدعوة إلى اللَّه عز وجل ؟

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وآله وصحبه، وبعد:

فقد يبدو لأول وهلةٍ غرابة عنوان هذه المقالة، إذ لا يعقل أنَّ أيِّ داعية إلى الله عز وجل لا يعرفُ الغاية من دعوته إلى الله عز وجل، وجهادهِ في سبيله سبحانه؛ وهذا صحيحٌ من حيث الجملة، ولكنْ هناك فرقٌ بين المعرفةِ الذهنية المجردة، وبين التحرك بهذه المعرفة، والسير على ضوئها في واقع الناس ودعوتهم إلى الله عز وجل، وكم رأى الواحد من نفسه ومن غيره غفلت عن هذه الأهداف، أو مصادماتها لواقع الدعوة العملي، مما ينشأ عنهُ مغالطات وانحرافات، وسببها البعدُ عن هذه الأهداف.

والمحافظة على هذه الأهداف، ومحاسبة النفسِ بين الحين والآخر على تحقيقها، كفيلٌ إن شاء الله تعالى أن تنطلق الدعوة بعيدة عن حظوظ النفس وأهوائها. وبالتالي يجدُ الداعي أثر دعوته وثمرتها جليًّا وسريعًا في نفسه وفي واقع الناس، كما يجدُ في نفسهِ أيضًا الحماس والاندفاع إلى الدعوةِ والجهاد، بغير مللٍ ولا فتور، وأكبر من ذلك كله قبول سعيه عند الله عز وجل.

والأهداف الأساسية للدعوة والجهاد في سبيل الله عز وجل، يمكنُ حصرها فيما يلي:

1-التعبُّد لله عز وجل بهذه الشعيرة العظيمة، شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتي هي أصل الدعوة إلى الله عز وجل والجهاد في سبيله سبحانه، فشعور الداعية أنَّهُ عبد لله عز وجل، يحبُّ ربه ويحب ما يحبه ربه من الدعوة والجهاد، يُعدُّ من أكبر الدوافع إلى بذل الجهد والجهاد في سبيل الله تعالى، ولو لم يحصل الداعية في دعوته وجهاده إلاَّ على شعوره بالعبودية لله عز وجل لكفى بذلك دافعًا وغاية عظيمة. كما أنَّ في مصاحبةِ شعور العبادة لله تعالى في جميع تحركات الداعية، أكبر الأثر في التربية على الإخلاص، وتحري الحق والصواب، واللذان هما شرطا قبول العبادة، والعكس من ذلك عندما ينسى أو يغفل الداعية أنَّهُ متعبدٌ لله تعالى بدعوته وحركته، فإنَّهُ بذلك يضعفُ إخلاصه، وتبدأ حظوظ النفس والهوى يسيطران على القلب، كما يضعفُ مع ذلك اتباع الدليل وتحري الحق، مما ينتجُ عنه في نهاية الأمر فتور الداعية، أو مزلة قدمه والعياذ بالله تعالى.

2-الفوز برضوان الله تعالى وجنته في الدار الآخرة، وهذا هو ثمرة التعبُّد لله عز وجل السابق ذكرها، وهي الغاية العظمى التي وعد الله عز وجل بها عباده الآمرين بالمعروف والنا هين عن المنكر، والداعين إليه على بصيرة، ولقد تكاثرت الآيات في كتاب الله عز وجل التي تمدح الداعين إليه سبحانه، والصابرين على ما أصابهم في سبيله، وما أُعد لهم في الدار الآخرة من الرضوان والنعيم المقيم. وعندما ينشدُ الداعية إلى هذه الغاية، وتنجذب نفسه إليها، فإنَّهُ يستسهل الصعاب، ويمضي في طريقه بقوةٍ وعزيمة وثبات، كما أنه عندما يتعلق بهذه الغاية العظيمة ولا ينساها، فإنَّهُ بذلك لا يلتفت إلى أعراض الدنيا الزائلة، ولا ينتظرُ جزاءَ عمله ودعوته وجهاده في الدنيا، وإنَّما يروضُ نفسه ويُربِّيها على أن تعطي من صبرها وجهدها وجهادها، ولا تأخذ منه شيئًا في الدنيا، وإنما تنتظر العطاء والثواب في الدار الآخرة من ربها الكريم، في دار النعيم المقيم، ولذلك فإنَّ أصحاب هذه النفوس المخلصة، لا يتطرق إليهم الوهن ولا الفتور الذي يتعرض له أصحاب الأغراض الدنيوية القريبة، الذين إن حصلوا على أهدافهم في الدنيا رضوا وواصلوا العطاء، وإن تأخرت عليهم فتروا وكلوا وتوقفوا.

أمَّا أصحاب الغاية العظيمة فهم لا يفترون ولا يتوقفون، لأنَّ وقت ومكان توفيت الأجر ليس مجالهُ الدنيا، وإنَّما في الدارِ الآخرة، دار الحساب والجزاء، ولذلك فهم يعملون ويُجاهدون حتى يأتيهم اليقين.

3-إنقاذ الناس - بإذن الله تعالى - من عبادةِ العباد إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ومن ظُلم الأديان إلى عدلِ الإسلام، ومن ضيقِ الدنيا وشقائها إلى سعتها وسعادتها، ومن عذابِ النار يوم القيامة إلى جنات النعيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت