فهرس الكتاب

الصفحة 8911 من 27345

العقيدة الصحيحة والعقيدة الفاسدة (4/10)

د. علي محمد الصلابي 3/6/1426

العقيدة ليست مختصّة بالإسلام، بل كل ديانة أو مذهب لا بدّ لأصحابه من عقيدة يقيمون عليها نظام حياتهم، وهذا ينطبق على الجماعات والأفراد والأمم الشعوب، والعقائد منذ بدء الخليقة إلى اليوم، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها قسمان:

الأول: يمثل العقيدة الصحيحة، وهي تلك العقائد التي جاءت بها الرسل الكرام في أي زمان ومكان، وهي عقيدة واحدة؛ لأنها منزلة من العليم الخبير الحكيم العزيز.

والقسم الثاني: يشمل العقائد الفاسدة على كثرتها وتعددها، وفسادها ناشئ من كونها نتاج أفكار البشر، ومن وضع مفكريهم وعقلائهم، وعلمهم محدود ومقيد بقيود بشرية متمثلة في العادات والتقاليد والأفكار, وأحيانًا يأتي فساد العقيدة من تحريفها، وتغييرها وتبديلها، كما هو الحال للعقيدة اليهودية والنصرانية في الوقت الحاضر، فإنهما حُرّفتا منذ عهد بعيد، ففسادهما كان من هذا التحريف، وإن كانت عقيدة سليمة في الأصل (1) .

أين العقيدة الصحيحة اليوم؟

العقيدة الصحيحة لا توجد إلا في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لأنهما محفوظتان, لحفظ الله لهما قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر:9] والعقائد في غير الإسلام -وإن كان في بعضها قليل من الحق- فإنها لا تمثل الحق، ولا تجليه؛ فالعقيدة الصحيحة السليمة لا توجد في اليهودية ولا في النصرانية، ولا في كلام الفلاسفة ...وإنما توجد في الإسلام في أصليه: الكتاب والسنة, نديّة, طريّة, صافية مشرقة، تملاْ الفؤاد إيمانًا ونورًا وحياة ويقينًا، (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ...) [الشورى: من الآية52] . (3) وتقنع العقل بالحجة والبرهان (...إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [الروم: من الآية24] وتنسجم مع الفطرة (...فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا...) [الروم: من الآية30]

ماذا تعني العقيدة ؟

العقيدة الإسلامية ضرورية للإنسان؛ أنه بدونها ائه ضائع يفقد ذاته ووجوده، والعقيدة الإسلامية وحدها التي تجيب عن لتساؤلات التي شغلت ولا تزال تشغل الفكر الإنساني، بل تحيّره: من أين جئت؟ ومن أين جاء هذا الكون؟ وما دورنا في هذا الكون؟ ما علاقتنا بالخالق الذي خلقنا؟ وهل هناك عوامل غير منظوره وراء هذا العالم المشهود؟ وهل هناك مخلوقات عاقلة مفكرة غير هذا الإنسان؟ وهل بعد هذه الحياة من حياة أخرى نصير إليها؟ وكيف تكون تلك الحياة إن كان الجواب بالإيجاب؟

لا توجد عقيدة سوى العقيدة الإسلامية اليوم تجيب عن هذه الأسئلة إجابة صادقة مقنعة و كل من لم يعرف العقيدة، و من لم يعتنقها فإن حاله لن يختلف عن حال ذلك الشاعر البائس (2) الذي لا يدري شيئًا:

جئت، لا أعلم من أين، ولكني أتيت

ولقد أبصرت، قدامي طريقًا فمشيت

وسأبقى سائرًا إن شئت هذا أم أبيت

كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟

لست أدري!!

أجديد أم قديم أنا في هذا الوجود

هل أنا حرٌّ طليق أم أسير في قيود

هل أنا قائد نفسي في حياتي أم مقود

أتمنّى أنني أدري ولكني

لست أدري!!

وطريقي ما طريقي؟ أطويل أم قصير

هل أنا أصعد أم أنا أهبط فيه وأغور

أأنا السائر في الدرب أم الدرب تسير؟

أم كلانا واقف والدهر يجري

لست أدري!!

ليت شعري وأنا في عالم الغيب الأمين

أتراني كنت أدري أنني فيه دفين

وبأني سوف أبدو وبأني سأكون

أم تراني كنت لا أدرك شيئًا؟

لست أدري!!

أتراني قبلما أصبحت إنسانًا سويًا

كنت محوًا أو محالًا أم تراني كنت شيئًا

أًلهذا اللغز حلٌّ؟ أم سيبقى أبديًا

لست أدري .... لماذا لست أدري

لست أدري!! (3)

وهذا الشاعر الملحد فقد معرفة الحقائق الكبرى؛ فأصبح في هذه الحيرة والقلق والشك والأمراض النفسية, وأين هو من المسلم الذي يدري ويعرف معرفة مستيقنة كل هذه الحقائق، فإذا هو يجد برد اليقين، وهدوء البال، وإذا هو يسير في طريق مستقيم إلى غاية مرسومة يعرف معالمها، ويدري غايتها.

قال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (4)

وقال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (5)

واستمع إلى الشاعر البائس يتحدث عن الموت والمصير:

إن يك الموت قصاصًا: أي ذنب للطهارة؟

وإن كان ثوبًا، أي فضل للدّعارة

وإذا كان وما فيه جزاء أو خسارة

فَلِمَ الأسماء إثم وصلاح

لست أدري

إن يك الموت رقادًا بعده صحو طويل

فلماذا ليس يبقى صحونا هذا الجميل

ولماذا المرء لا يدري متى وقت الرحيل

ومتى ينكشف الستر فيدري؟

لست أدري

إن يك الموت هجوعًا يملأ النفس سلامًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت