فهرس الكتاب

الصفحة 2759 من 27345

[الكاتب: محمد جمال الدين محفوظ]

حقيقة لا ينبغي أن نغفل عنها:

من أهم حقائق العصر الذي نعيشه فيه أنه حين تنشب الحرب، فإن الدولة بأسرها شعبا وجيشا تخوض الحرب، وتدفع تكاليفها، وتتحمل نتائجها، فقد انتهى ذلك العهد الذي كانت فيه الحروب قاصرة على تصارع الجيوش في ميادين القتال، ولم تعد هناك في عصرنا بقعة من أرض الدولة أو سمائها أو مياهها الإقليمية بمنأى عن متناول العدو.

من أجل ذلك أصبحت قوة أية دولة وقدرتها على الدفاع عن نفسها وتحقيق أهدافها الاستراتيجية لا تقاس بمدى قوتها العسكرية فحسب، بل بمتانة اقتصادها وقوة معنويات شعبها وتقدمها العلمي والتقني، إلى غير ذلك من عناصر القوة، وقد ظهرت للتعبير عن هذا المعنى مصطلحات جديدة في علوم الحرب وفنونها مثل"الحرب الشاملة"و"إعداد الدولة للحرب"، ويقصد بالحرب الشاملة الحرب التي لا تقف عند خط جبهة القتال فحسب، وإنما تتعداها إلى"العمق"بكل ما فيه من مرافق ومنشآت وتجمعات سكانية وذلك بواسطة السلاح الجوي والصواريخ وغيرها.

أما"إعداد الدولة للحرب"فهو ذلك العمل الضخم الذي اقتضته طبيعة الحرب الشاملة، وتحشد له كل قوى الدولة الاقتصادية والشعبية والسياسية إلى جانب القوة العسكرية في تخطيط منسق لتحقيق قدرة الدولة عل التصدي للعدوان.

يقول المشير مونتجمري: (والحرب الحديثة قد ازدادت صورتها تعقيدا وأصبحت تشمل كل أوجه الحياة والنشاط للدولة لفترة طويلة بما في ذلك معنويات هذه الدولة، فالحرب الشاملة في العصر الحديث تمتص كل جهود القوى العاملة رجالا ونساء وتحول كل قوى الصناعة لسد الحاجات الضرورية للمجهود الحربي، وفي أثناء هذه الحرب يكون المرء دائما محوطا بالخطر سواء استدعي للخدمة العسكرية أو كان قائما بأي عمل مدني أو صناعي، فالخطر يصبح ماثلا في كل مكان، وقد اقتضى ذلك وجود نظام خاص يكفل حماية المدنيين داخل المدن أطلق عليه الدفاع المدني أو الدفاع الوطني... ) [1] .

ثمار الإعداد الشامل:

فهذا العمل الكبير، الذي أصبح الركيزة الأساسية للقدرات الدفاعية ومن الضرورات الحيوية لبنائها هو الذي يمنح الدولة ما يلي:

1 -القدرة على رد العدوان وردع المعتدي في أية لحظة.

2 -تحقيق النصر في أقل وقت ممكن [2] .

3 -التقليل من الخسائر التي تسببها ضربات العدو.

4 -الصمود للحرب"طويلة الأمد".

5 -المحافظة على مستوى عال من الروح المعنوية وإرادة القتال لدى الشعب والجيش. وهكذا يتضح أن مثل هذه ا لإنجازات والقدرات لا تتحقق مطلقا إلا بحشد طاقات الأمة المادية والمعنوية في تخطيط منسق نحو غاية واحدة .

مفهوم القوة في الإسلام:

ويتضح كذلك أن ما يتصوره بعضهم من أن القوة التي على الأمة إعدادها لمواجهة العدوان تنحصر في القوة المسلحة، هو تصور بعيد كل البعد عن الصواب وعن مقتضيات العصر، وليس هذا فحسب، بل أنه تصور ينطوي على عقوق للدين وغفلة عن توجيهاته.

فلقد شاءت حكمة الله جل شأنه أن تكون الأمة الإسلامية أمة قوية مرهوبة الجانب في كل عصر، فأمرها بإعداد القوة والمرابطة التي ترهب الأعداء، ووجهها إلى أن تكون تلك القوة ؛ قوة شاملة، تحتشد فيها كل مصادر القوة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والأخلاقية والمعنوية والعسكرية:

1 -يقول الله تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون} [الأنفال: 60] ، فورود لفظ"قوة"مطلقا بغير تحديد، يعني القوة الشاملة، وذكر المال والإنفاق {وما تنفقوا} يعني القوة الاقتصادية ويؤكد أهميتها.

2 -والجهاد في سبيل الله، لا ينحصر في إطار قتال الأعداء المحدود، بل يمتد ليشمل جوانب أخرى، فقد اقترن الجهاد بالنفس بالجهاد بالمال، كما اقترن بالجهاد باللسان، قال تعالى: {انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} [التوبة: 41] .

وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم) [رواه أحمد والنسائي وصححه وغيرهما] .

3 -والتكليف بإعداد القوة الشاملة، والتكليف بالجهاد عل هذا النحو الشامل أيضا، كلاهما قائم ومستمر حتى تقوم الساعة، كما يتضح من الآية الكريمة من سورة الأنفال ومن آيات الجهاد ومن الحديث: (الجهاد ماض إلى يوم القيامة) ، والحديث: (لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا) [رواه البخاري] .

4 -والتكليف بإعداد القوة وبالجهاد أمر مستمر لا ينقطع في السلم والحرب على حد سواء، ففي السلم استعداد وإعداد وعمل لا يفتر في كل الميادين المادية والمعنوية، وفي الحرب توجيه لكل الطاقات نحو قمع العدوان وردع المعتدي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت