فهرس الكتاب

الصفحة 2757 من 27345

ويرى القارئ من هذه الآية كيف أن القرآن قبل أربعة عشر قرنا قد أشار إلى حقيقة علمية يستبعدها ناس مثلى ومثل المستشرق الإنجليزى رودويل ونظيره الألمانى رُودِى بارِيت ممن يعيشون في هذا العصر التى بلغ فيه التقدم العلمى والتقنى آمادا مذهلة، فكيف عرفها الرسول الكريم إذن وأدّاها بهذه البساطة لو كان هو مؤلف القرآن، وبخاصة أن الأنهار التى ذُكِر أن اللؤلؤ وغيره من الأحجار الكريمة وشبه الكريمة تُسْتَخْرَج منها تقع في بلاد سحيقة بالنسبة للجزيرة العربية، بل إن بعضها كالبرازيل مثلا لم يُكْتَشَف إلا في العصور الحديثة؟

ومن هنا نستطيع أن نفهم كيف أن المفسرين القدامى، كالطبرى والقرطبى وابن كثير والجلالين على سبيل المثال، قد وقفوا حائرين إزاء هذه الآية وأمثالها حيث يقررون أن الحلىّ إنما تُسْتَخْرَج من البحر المِلْح فقط، وإن كان القرآن قد ذكر البحرين معا. يريدون أن يقولوا: إن العرب كانت تغلّب في مثل هذه الحالة أحدَ الطرفين على الآخر. بل إن بعضهم، محاولةً منهم الالتصاقَ بالآية وعدم الرغبة في اللجوء إلى المجاز هنا، قد قالوا إن المقصود بالبحر العذب هو ماء المطر، بمعنى أن اللؤلؤ والمَرْجان لا يتم تكونهما إلا إذا نزل ماء المطر على صَدَفهما في البحر فانعقد لؤلؤا ومَرْجانا. وهذا كله خَبْطٌ خاطئ، فالمطر لا يُسَمَّى:"بحرا"، فضلا عن أن القرآن الكريم قد نَصَّ على أن الحُلِىّ تُسْتَخْرَج من كلٍّ من البحرين، لا من مجموعهما كما يقول مفسرونا القدامى، ولهم العذر رغم أنهم جاؤوا بعد الوحى بعِدّة قرون كانت الحضارة الإسلامية قد قطعت أثناءها أشواطا في مجال العلم والفكر فسيحة، إذ إن المعلومات المتعلقة بهذا الموضوع لم تُكْشَف إلا في العصر الحديث كما بيّنّا في الفقرات الأخيرة. وقد كانت هذه الحجة جاهزة في يدى في إحدى المناظرات التلفازية التى شاركتُ فيها منذ أعوام ضد من ينادون بإبعاد العلوم الطبيعية عن القرآن الكريم وعدم الاستعانة بها في تفسيره بشبهة أنه كتاب عقيدة وتشريع وأخلاق لا كتاب كيمياء أو فيزياء أو فلكٍ أو طبٍّ مثلا، إذ ها هم أولاء كبار المفسرين واللغويين يتجاهلون التركيب النحوى الواضح للعبارة القرآنية بسبب عدم توفر المادة العلمية بين أيديهم، فيعاملون تركيب"ومن كلٍّ..."على أن المراد به:"ومن مجموعهما..."، مع أن هذا غير ذاك تمامًا.

تذييل:

لا بد أن أنوِّه هنا بأن الترجمات الألمانية التى أتى ذكرها في هذه الدراسة كانت قد أهدتنيها منذ سنواتٍ المستشرقةُ الألمانيةُ د. مارينا هاوكه (Marina Hauke) ، التى أخبرتنى في آخر خطاب أرسلته لى، وكنت حينها أعمل في السعودية في تسعينات القرن المنصرم، أنها قد تزوجت. وكانت تقيم في تركيا آنذاك، ولا أدرى لماذا أحسست أنها تزوجت تركيًّا. وقد سبق أن أهدتنى كذلك نسخة من رسالة الدكتوراه الخاصة بها. لذا وجب علىّ أن أنتهز هذه السانحة وأُعِيد توجيه الشكر لها على هذه الهدايا القيمة، ولعله يقدَّر لها أن تطَّلع على هذا المقال فتعرف أن المعروف لا يضيع.

ملاحظة: فيما يلى النص الفرنسى للمقال الذى ترجمتُه وعلقتُ عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت