كوني مبادرة ... قوة التحكم في الذات
مفكرة الإسلام: أخيتي الغالية، كم طال شوقي للحديث معكِ في هذه السلسلة التي من خلالها نتعلم سويًا كيف تكون الشخصية إيجابية؟ كيف تكون المؤمنة الفعالة التي ترضي ربها وتخدم أمتها؟ وتذوق حلاوة النجاح والإنجاز.
فهيا بنا لا نضع الوقت، ونتعلم سلوكا إيجابيا جديدا فنريد منك أخيتي، آذانا صاغية... وهمة عالية، وأيدي مشمرة للعمل، واستعدادا قويا للتغيير نحو الأفضل بإذن الله تعالى.
إن حجر الزاوية في بناء الشخصية الإيجابية: أنها هي التي تردك جيدا حقيقة هامة للغاية وهي:
إننا يمكننا السيطرة على شيء واحد فقط [دائرة التحكم] :
الحقيقة... أخيتي، هي أننا لا نستطيع التحكم في كل شيء يحدث لنا، لا نستطيع التحكم في لون بشرتنا، أو في مكان مولدنا، أو في اختيار والدينا، أو في اختيار المناهج الدراسية، أو في كيفية معاملة الآخرين لنا، ولكن هناك شيء واحد يمكننا التحكم فيه، وهو كيفية استجابتنا لما يحدث لنا، وهذا هو المهم، وهذا هو السبب الذي من أجله يجب علينا أن نكف عن القلق بشأن الأمور التي لا يمكننا التحكم فيها، ونبدأ في الانشغال بتلك التي نستطيع أن نغيرها ونتحكم فيها.
تخيلي دائرتين، الداخلية منهما هي دائرة التحكم، وهي تشتمل على الأشياء التي يمكنك السيطرة عليها؛ مثل أنفسنا ومواقفنا، وخياراتنا، واستجاباتنا لأي شيء يحدث لنا، وتحيط بدائرة التحكم دائرة أكبر منها هي دائرة عدم التحكم، وهذه تشتمل على ألوف الأشياء، والتي لا نستطيع عمل أي شيء حيالها.
و الله عز وجل يحاسب الإنسان على سلوكه وأخلاقه هو وليس سلوك الآخرين وأخلاقهم،كما قال تعالى [[وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ] ] [فاطر: 18]
فإن آذاه أحد فهو محاسب على رد فعله وسلوكه، هل سيقابل الإساءة بالإساءة، أم سيكون أفضل من ذلك؟ أما الشخص المتسبب في الأذى فحسابه عند الله، وهو سبحانه لا يضيع حقوق العباد أبدا.
انظري إلى قوله تعالى: [[ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ] ] [الفرقان: 63] .
ويقول أيضًا سبحانه: [[ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ] ] [آل عمران: 134] .
وتذكري أخيتي، كم حث الله عز وجل في كتابه الكريم على العفو والتصافح والإحسان، وانظري إلى النبي صلى الله عليه وسلم كم آذاه الكفار في بداية الدعوة في مكة، وطردوه منها، وحاربوه، وأشهروا في وجهه السلاح، وبعد كل هذا فانظري إلى خلق النبي صلى الله عليه وسلم وسلوكه، انظري كيف يدير دائرة التحكم بأفضل سلوك واستجابة، فعندما فتح صلى الله عليه وسلم مكة ترى كيف كان رد فعله بعد كل ذلك الأذي وتلك الإساءة، انظري إلى المفاجأة التي أذهلت هؤلاء الكفار وهو يقول لهم: [[اذهبوا فأنتم الطلقاء] ] *، بالطبع هو لا يملك السيطرة على قلوبهم، ولكن بهذا السلوك العظيم؛ يدخل منهم الكثير في الإسلام.
وإذا كنا نحن لا نملك السيطرة على الآخرين، ولكن لا تنسين أن استجابتك يمكنها أن تغير من الآخرين.
أما إذا أصبح اعتناؤك هو سلوك الآخرين تجاهك، ورد فعلك إزاء تصرفاتهم؛ فصدقيني أيتها الغالية، وقتها أنت تنفقين وقتا وجهدا في العمل على أشياء لا تستطيعين السيطرة عليها، وسوف تشعرين بمزيد من عدم التحكم في حياتك، كما لو أنك مجرد ضحية.
على سبيل المثال، إذا كان أخوكِ يزعجكِ وأنت دائمًا تشكين من نقاط ضعفه [وهو شيء لا سيطرة لك عليه] ، فإن ذلك لن يكون ذا فائدة على الإطلاق في إصلاح المشكلة، فقط سوف يتسبب في أن تلقي بمشكلاتك عليه، و تفقدين قوتكِ أنت أيضًا.
أما أصحاب الشخصية الإيجابية فإنهم يركزون في مثل تلك المواقف على الأشياء التي يمكنهم السيطرة عليها، وعن طريق عمل ذلك فإنهم يحققون السلام الداخلي، ويكسبون مزيدًا من السيطرة على حياتهم، إنهم يتعلمون الابتسام والتعايش مع الأمور العديدة التي لا يمكنهم عمل أي شيء حيالها، قد لا تروق لهم هذه الأمور، ولكنهم يعرفون أنه لا فائدة من القلق والانزعاج بشأنها.