فهرس الكتاب

الصفحة 15501 من 27345

د. محمد عمر دولة*

ما أجْمَلَ زَخاتِ المطر.. حين تسقي الأرضَ العطشى.. وتملأ المزارعَ والمساربَ والدُّروبَ.. بِخَيرِها وبَرَكتِها!

إنَّ الماءَ نعمةٌ عظيمةٌ.. من نِعَمِ الله علينا، فهو أساسُ الحياةِ، كما قال الله عزَّ وجلَّ: (وجَعَلْنا من الماءِ كلَّ شيءٍ حي) . [1] وقد امتنَّ الله بالماءِ على عبادِه، فقال جلَّ جلاله: (أفرأيتم الماء الذي تشربون أأنتم أنزلتموه من المزنِ أم نحن المنزلون لو نشاء جعلناه أُجاجًا فلولا تشكرون) . [2] وقال تعالى: (قل أرأيتم إنْ أصبحَ ماؤكم غَوْرًا فمن يأتيكم بماءٍ مَعِين) . [3] وقد سَمَّى القرآنُ الغيثَ رحمةً، قال ابنُ كثير رحمه الله:"يذكر تعالى نِعَمَه على خلقِه في إرسالِه الرياحَ مُبشِّراتٍ بين يدي رَحْمته بمجيء الغيث عَقِبَها؛ ولهذا قال تعالى: (ولِيُذِيقَكم مِن رَحْمَتِه) : أي المطر الذي ينزله؛ فيحيي به العِبادَ والبلاد". [4]

تذكَّرتُ قولَ الله عزَّ وجل: (وترى الأرضَ هامِدةً فإذا أنزلْنا عليها الماءَ اهتزَّتْ ورَبَتْ وأنبَتَتْ من كلِّ زَوجٍ بَهِيج) [5] .. وقَطراتُ المطرِ تنهملُ من السماء؛ لِتَنشرَ البَهجةَ والسعادةَ والفرحَ والسُّرورَ.

وما أحسنَ وقعَ الآياتِ على القلوب.. حين تُبصِرُ تَمثُّلَ القرآنِ في الآفاقِ والأنفُس.. فهي أشْبَهُ في آثارِها وثِمارِها.. بتدفُّقِ الأمطارِ على الأشجارِ والبساتين والأزهار.

إنَّ قُلُوبَنا بدون ماءِ الوحي.. أشْبَهُ بالأرضِ المجدِبة.. والصحراءِ القاحلة.. حتى إذا سُقِيَت بالقُرآنِ والسُّنة؛ أيْنَعَتْ وأزْهَرَت وأثْمَرَت! وصارت مثلَ الحدائقِ الغَنَّاء، والبَساتين الفَيْحاء!

فالقُلوبُ.. مثل الأرضِ.. حين تَهمُد وتَيبَسُ وتَموت.. ثم تهتزُّ برحمةِ الله وتربو وتُنبِتُ، قال القرطبي رحمه الله:" (هامدة) يابسة لا تنبت شيئا، قاله ابن جريج، وقيل: دارسة، والهمود: الدروس… وقال شمر: همودُ الأرض ألا يكون فيها حياةٌ ولا نبتٌ ولا عُودٌ ولم يُصِبْها مَطر… (فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت) : أي تحركت، والاهتزازُ: شدة الحركة، يقال: هززتُ الشيءَ فاهتزَّ: أي حَرَّكْتُه فتحرَّك، وهزَّ الحادي الإبلَ هزيزًا فاهتزَّتْ هي: إذا تحرَّكَت في سَيرِها بحدائه… فالأرضُ تَهتَزُّ بالنبات؛ لأنَّ النباتَ لا يخرجُ منها حتى يُزِيلَ بعضَها من بَعضٍ إزالةً خفيفةً... (وربَت) أي: ارتفَعت وزادت... (وأنبَتت) : أي أخرَجَت (من كلِّ زوجٍ) أي لونٍ (بَهِيجٍ) : أي حسن، عن قتادة: أي يبهج من يراه، والبهجة: الحسن، يقال: رجل ذو بهجة، وقد بَهُج بالضم بَهاجة وبهجة: فهو بَهِيجٌ، وأبْهَجَنِي: أعجَبنِي بِحُسنِه". [6]

وقد ضَربَ القرآنُ المثلَ بالمطرِ.. على بعثِ الحياةِ في الأرضِ الهامدة والبلدة الميتة، فقال عزَّ وجل: (إنَّ في خَلقِ السموات والأرضِ واختلافِ الليلِ والنهارِ والفُلكِ التي تجري في البحرِ بِما يَنفَعُ الناسَ وما أنزلَ الله من السماءِ من ماءٍ فأحيا به الأرضَ بعد موتِها وبثَّ فيها من كلِّ دابةٍ وتصريفِ الرياحِ والسحابِ المسخَّر بين السماءِ والأرضِ لآياتٍ لقوم يعقلون) . [7] وقال جلَّ جلالُه: (والله أنزلَ من السماءِ ماءً فأحيا به الأرضَ بعد مَوتِها إنَّ في ذلك لآيةً لقومٍ يسمعون) . [8] وقال تعالى: (ولئن سألتَهم مَن نَزَّلَ من السماءِ ماءً فأحيا به الأرضَ من بعد موتِها ليقولُنَّ الله قل الحمدُ لله بل أكثرُهم لا يعقلون) . [9] وقال سبحانه: (وآيةٌ لهم الأرضُ الميتةُ أحيَيْناها وأخرَجْنا منه حَباًّ فمنه يأكلون) . [10]

وقد جعلَ الله عزَّ وجلَّ انبعاثَ النباتِ من الأرض المواتِ عند المطر دليلا على بَعثِ الناسِ بعد الموت، كما قال تعالى: (ونَزَّلْنا مِن السماءِ ماءً مُبارَكًا فأنبَتْنا به جناتٍ وحَبَّ الحصيد والنخلَ باسقاتٍ لها طَلْعٌ نَضِيدٌ رِزْقًا للعِباد وأحْيَيْنا به بَلدَةً مَيْتًا كذلك الخروج) . [11] وقال جلَّ جلالُه: (والله الذي أرسلَ الرياحَ فتثيرُ سَحابًا فسُقناه إلى بلدٍ مَيتٍ فأحيَينا به الأرضَ بعد موتِها كذلك النشور) . [12] وقال تعالى: (يُخرِجُ الحيَّ من الميتِ ويُخرِجُ الميتَ من الحيِّ ويُحيِي الأرضَ بعد مَوتِها وكذلك تُخرَجون) . [13]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت