مقدمة
الحمد لله القائل أشهد الله أن لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد القائل: العلماء ورثة الأنبياء، وعلى آله وصحبه ومن سار على هديه ودعا بدعوته من أئمة الدين وعلماء الإسلام وعلى كل قائم لله بدعوة صحيحة داخل في قوله تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين} .
وبعد
الدوافع إلى تأليف هذا الكتاب:
فإن شيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله عنه من النفر القليل الذين كانت حياتهم كلها لله، والذين دعوا إلى الله على بصيرة، شاهدًا لله سبحانه وتعالى أنه لا إله إلا هو، قائمًا بالقسط، فقد كتب وألف عشرات المجلدات بل مئات المجلدات في هذين المعنيين: إثبات وحدانية الله سبحانه وتعالى وتحذير الأمة من الشرك الذي تفشى فيها بعد صدر الإسلام، ثم إثبات عدل الله في تشريعاته وقضائه وقدره، ولقد تعرض شيخ الإسلام في سبيل ذلك إلى تفنيد مزاعم قوى الشر كلها التي انتشرت وسادت المسلمين في عصره في القرن السابع الهجري وأوائل الثامن. فتصدى بالرد على الفلاسفة وأذنابهم والرافضة وأكاذيبهم، والباطنية وخبثهم ونفاقهم، والصوفية وعقائدهم الفاسدة وترهاتهم، وللمتكلمين وخلفائهم وتأويلاتهم الباطلة، وللمقلدين وعبادتهم لشيوخهم وتعصبهم لآرائهم المخالفة للكتاب والسنة، والنصارى وضلالهم، واليهود وخبثهم وأفسادهم، وألف في كل ذلك وكتب ودرس وسافر وارتحل وناقش ولم يكتف بهذا أيضًا بل جرد سيفه لقتال التتار فجمع الجموع لملاقاتهم، ووحد صفوف المسلمين لحربهم، وخاض المعارك ونصره الله عليهم..
وهو في كل هذا عازف عن الدنيا، لم يتزوج ولم يكتنز مالًا أو يبني دارًا ويتخذ عقارًا إلا ما أراده من دار الآخرة.
وعالم هذا شأنه لا شك أن يكثر أعداءه وحساده.. فقد عادى الدنيا كلها في الله وخاصم كل منحرف في ذات الله، ولم يداهن أميرًا ولا وزيرًا في الحق، بل صدع به حيث كان، ولذلك كثرت ابتلاءاته ومحنه فلا يخلص من محنة إلا ودخل في أخرى، ولا ينتهي من سجن حتى يزج به في سجن آخر، ولا ينصر في محاكمة حتى تعقد له محاكمة جديدة.. وكل ذلك وهو صابر محتسب، بل فرح مستبشر أن أكرمه الله بكل هذه الكرامات وهيأ له كل هذه الأسباب لينشر علمه وتعظم محبة أهل الخير له، فكان قدوة للعالمين من أهل الخير في زمانه، ونموذجًا للعلماء العاملين في وقته، بل كان من تلاميذه جهابذة الأمة في كل فرع من فروع المعرفة الدينية فمن تلاميذه ابن كثير إمام المؤرخين والمفسرين، والذهبي علم المحققين والحافظ المزي، إمام من أئمة النقل والرجال والحديث وابن عبدالهادي علم التحقيق، وابن القيم إمام الأمة وفارسها، وروحاني الإسلام.. وخلق كثيرون.. ثم أصبحت كتبه من بعده هي الهادي والمرشد لعقيدة أهل السنة والجماعة، بعد أن لبس الملبسون من أهل الكلام والزندقة على الناس، ونشروا عقائدهم الباطلة في الأمة فقام هذا المجدد الفرداني والعالم الرباني فكشف بنور القرآن والسنة أضاليل أهل الكلام والبدعة والزندقة والردة.
* أعود فأقول عالم هذا شأنه وكثر حساده وأعداؤه في حياته وبعد مماته ينقبون كتبه ويفتشون لعلهم يظفرون له بخطيئة أو بزلة وليس هو بمعصوم فيضخمون ما ظنوه خطأ. فيجعلون خطأه كفرًا، وردة، ثم يفترون عليه ويكذبون، وكل ذلك يسعون جاهدين أن ينفروا الأمة عن طريقه ويصرفوا العالم عن مطالعة كتبه، ولكن هذا منهم كان ينقلب في كل مرة عليهم حيث يقف الناس على كذب شانئيه ومبغضيه فينقلب السحر عليهم، وتبتلع آية الله ما أفكه الظالمون، وما افتراه المفترون.
وكان من جملة ما افتراه بعض هؤلاء من زعم أمام مجموعة من الطالبات أن ابن تيمية وابن القيم قد خالفا إجماع المسلمين لقولهما بفناء النار.. وزعم أن هذا إجماع قطعي.
وقال عن شيخ الإسلام ابن تيمية أنه سجن من أجل ذلك ولو لم يمت في السجن لنفذ فيه حد الردة.. وبادرته طالبة من الطالبات قائلة: أنعتبر ابن تيمية كافرًا بذلك: فقال: يمكن يكون رجع عن كلامه.. ولا نعلم له رجوعًا، ولكنه زعم في مقام آخر أيضًا أنه لو قام من قبره لنفذ فيه حكم الردة..
الأهداف البعيدة:
أعود فأقول إن السبب في إرادة هدم شيخ الإسلام ابن تيمية من هذا الرجل وأمثاله معروف. لأن كتب شيخ الإسلام أنوار هاديات لكل زيف وبهتان، وتضليل وهذيان، ولذلك يحاربها كل من أراد أن يبني له مجدًا في الظلام، ويطمس بعض البصائر ويتخذ مجموعة من الخفافيش تعيش معه في الجحور.. ولذلك يحاذر كل المحاذرة أن يسمع أحد منهم كلمة حق، أو يقرأ كتابًا يفضح باطله وزوره وتخليطه..
وقد بادر مجموعة من الإخوة فكتبوا بعض المقالات في الصحف ردًا على فرية هذا الأستاذ على شيخ الإسلام ابن تيمية، وكتبت مقالًا سريعًا في الجريدة ردًا على هذه الفرية وكان هذا نصه:
متى يكون مخالف الإجماع كافرًا؟