فهرس الكتاب

الصفحة 17113 من 27345

سامي بن عبدالعزيز الماجد 12/6/1423

لا يشك من له أدنى دراية بطبائع النفوس أن الناس ليس لهم مندوحة عن الترويح، وأن للنفس من الترويح زادًا كما أن لها من الجد أزوادًا .

ولذا لفت النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه إلى مراعاة طبيعة النفس هذه من غير مناسبة، فأمرهم أن يستجمّوا من الترويح المباح ما يبعث نفوسهم على الجدّ، ويقيمها على الجادة حتى تقوى على السير وتستدّ، كما في حديث حنظلة - رضي الله عنه - المشهور: (والذي نفسي بيده إنْ لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعةً وساعةً) أخرجه مسلم . وفي الحديث الآخر: ( روَّحوا القلوب ساعة وساعة) .

وفقه ذلك أصحابه: فهذا أبو الدرداء - رضي الله عنه - يقول: إني لأجُمُّ فؤادي ببعض الباطل - أي اللهو الجائز - لأنشط للحق .

وقال علي - رضي الله عنه -: أجمّوا هذه القلوب؛ فإنها تملُّ كما تملُّ الأبدان.

وعن عبد الله بن عَمْرو موقوفًا: ( إنّ هذا الدين متين، فأوغل فيه برفق ، ولا تبغَّض إلى نفسك عبادةَ الله؛ فإنَّ المنبتَّ لا أرضًا قطع، ولا ظهرًا أبقى) إلى غير ذلك من الأحاديث والآثار التي تقرر حاجة النفس للترويح .

فالترويح إذًا رخصة قد أخذ بها الإسلام، وهو يربي النفوس ويهذبها، وأدلة ذلك هي من الشهرة بحيث لا تُنكر ولا تُجهل .

غير أننا ندركُ من واقع الناس اليوم أنهم غيرُ محتاجين إلى حدوٍ إلى الترويح، أو إكراهٍ عليه؛ فحالُهم يشهد عليهم بأنهم قد عبَّوا منه حتى الثُمالة، فالخوف عليهم إنما هو من الإفراط لا من التفريط .

ويتساءل بعض الناس: إذا كان الواقع هو هذا، فلماذا - إذًا - تقرير هذه المسألة، ولماذا ذكر أدلتها وشواهدها ؟!.

ويأتي الجواب؛ ليجعل المسألة أوسع مما يصوره هذا التساؤل، الذي يختزل المسألة في مشكلة إفراط في الترويح؛ ليختزل حلَّها في خطاب موعظة يردها إلى حدّ الاعتدال .

إننا نقرر هذه المسألة، ولكن لا نقف عندها كثيرًا، وإذا كنا نقصد إلى تبيين شروط الترويح المباح وحدوده، فمن المناسب أن نجعل تقرير هذه المسألة تقدمة بين يدي هذا الأمر المقصود .

ثم إننا - معشر الدعاة وحملة راية الإصلاح- حين نقرَّر هذه المسألة - مسألة حاجة النفس للترويح - ونجعلها موصولةّ بسبب إلى الإسلام ... نفعل ذلك؛ ليعلم غيرنا أنه ليس ثمة حكم من أحكام الإسلام يُدغم بغُنّة عندنا، وأننا لا نوارب أن نعرَّف الناس بأحكام الإسلام كلها، دقها وجلها، وعزائمها ورُخصها .

ونقرَّر هذه المسألة - كذلك- لأن الناس بحاجة إلى أن نزيدَهم من معالم وسطية الإسلام وسماحته، ونريد أن نبين لهم كيف أن الشرع قد سَيَرَ النفس خبَرَها، فراعى ضعفها ورخص لها، فلن يلقى أحدٌ من الإسلام غضاضة، ولن يجد في أحكامه حرجًا ولا عنتًا .

ومن هنا يظهر التلازم المطلوب، فإذا رضي الناس بتقرير الشرع لحاجة الترويح، لزمهم أن يرضوا منه بالحدَّ الذي فرضه عليهم ألا يجاوزوه في شأن الترويح ( تلك حدود الله فلا تعتدوها) .

كما أننا - حين نتذاكر هذه النصوص المبيحة للترويح - ... نذكرُها ليعلمَ الناسُ أن إنكارنا حيت يتوجّه إلى بعض صور التسلية والترويح، فلا ينبغي أن يُظن أن سببه هو جهلنا بأدلة إباحته، حتى نحتاج إلى أن نُذكّرَ بها؛ فما نصوص الشرع في ذلك بالتي تعزُبُ على من له أدنى علم بخصائص الشرع ومقاصده، بل وليس سببه- كما يتوهم بعضهم- أننا ننازع في إقرار الشرع لحاجة النفس للترويح، وهل يسعُ أحدًا المنازعة في ذلك بعد وضوح أدلته وشهرتها؟!.

وما ذلك الإنكار إلا بسبب تلك الممارسات الخاطئة في الأخذ بهذه الرخصة، والتي تريد الإيغال في أمر حدَّه الشرع بمقدار، فهذا الإيغال والإسراف هو الذي ينبغي أن يقوم عليه الإنكار ويتجه إليه الاحتساب.

أما كيف نرد الشباب عن هذا الإفراط في اللهو واللعب؟ فهذا هو الأمر الذي يعنينا الآن كثيرًا كثيرًا، فتستنفر له الجهود، وتحشد له الحشود، وهو التساؤل الذي يُلحّ علينا لإبداع شتى الطرق واستغلال مختلف المهارات والوسائل الحديثة لإشباع نهمة الشباب من الترويح، ولكن في حدود المباح، وبمضمون هادف .

وحين نقصد إلى هذه الغاية المرجوة، نلتمس لنفوسنا صورًا من صور الترويح، ينبغي أن نعلمَ ونعلّم ناشئتنا أن الترويح ليس أمرًا مقصودًا لذاته، ليس في نظر الشرع فحسب، بل في نظر كل عاقل يلتمس لنفسه ولأمته مصالحها، ويأخذ بأسباب نهضتها وصلاحها.

فالترويح في هذا النظر الصحيح مقصودٌ به طردُ الملل والسآمة عن النفس، ولذا فإنه يكفي منه ما يجدد للنفس نشاطها ويعيد لها بهجتها، كما البدن يكفيه البُلغةُ من الطعام، و ( حُسْبُ ابن آدمَ لُقيماتٌ يُقمْن صُلبَه ) ، فإن زاد على تلك اللُّقيمات فثمًّ الأدواءُ والتخمةُ، و (البِطنةُ التي تُذهب الفطنة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت