فهرس الكتاب

الصفحة 2271 من 27345

المجيب ... أ.د. سعود بن عبدالله الفنيسان

عميد كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقًا

التصنيف ...

التاريخ ... 17/5/1423

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا طالب بكلية الهندسة، ووالدي يعمل ببنك، وهو شريك لاثنين من إخوته في محل تجاري ورثوه عن جدي، فهل أعيشُ وآكل من حرام؟ وهل أترك الكلية وأعمل؛ لأصرف على نفسي؟ أم أعد أن والدي يصرف عليّ من ربحه من المحل التجاري؟ جزاكم الله خيرًا.

الجواب

يظهر أن مال والدك اختلط فيه الحلال بالحرام، وهذا من المشتبهات الواردة في حديث النعمان بن بشير -رضي الله عنه-"إن الحلال بيّن وإن الحرام بيّن وبينهما مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى..."البخاري (52) ومسلم (1599) واللفظ له، وقد اختلف العلماء في الأكل من المال الحلال المختلط في الحرام (المشتبهات) على ثلاثة أقوال:

القول الأول: ينظر أي الأمرين أكثر فيأخذ حكمه، فإن كان الحلال أكثر من الحرام جاز الأكل حينئذ وإلا حرم.

والقول الثاني: يجوز الأكل من هذا المال ما لم يكن حرامًا خالصًا.

والقول الثالث: لا يجوز الأكل من المال المشتبه فيه -المختلط- مطلقًا.

فأهل القول الأول نظروا إلى الأغلب من وصفي الحل والحرمة، وأهل القول الثاني نظروا إلى أن الأصل في الأشياء الإباحة، فقالوا بأن الأكل من هذا المال حلال، بناءً على هذا الأصل، وأصحاب القول الثالث نظروا إلى الاحتياط والورع فقالوا بالتحريم والمنع سدًا للذريعة، والذي يظهر لي هو رجحان القول الثاني، حيث هو مبني على أصل الإباحة الشرعية، ولم يرد نص بالمنع؛ بدليل قوله -تعالى-:"هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا" [البقرة:29] ، وهذا امتنان من الله على عباده، والله لا يمتن عليهم بحرام أو مكروه، وحديث سلمان الفارسي عند الترمذي (1726) "الحلال ما أحله الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه"، ونص حديث النعمان أن الشبهة -مفرد الشبهات- ليست من الحلال البيّن، ولا من الحرام البيّن بل هي منزلة بينهما لا يعلمها إلا أهل العلم وهم قلة من الناس في كل زمان"لا يعلمهن كثير من الناس"ومن أراد الورع والاحتياط لدينه وعرضه فليجتنبها، ومن ارتكبها لم يرتكب حرامًا -ولله الحمد- وهذا من سماحة هذا الدين ويسره"يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر" [البقرة:185] ، ومن أجل هذا اختلفت مواقف الصحابة ومن بعدهم في الأكل من هذه المشتبهات، فأبو بكر الصديق لم يأكل من المال المشتبه فيه وأفتى بجوازه عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- وصحابته يعاملون المشركين، وأهل الكتاب مع علمهم أنهم لا يجتنبون الحرام، وسئل علي بن أبي طالب عن جوائز السلطان، وهي من المشتبهات فقال: لا بأس بها، ما يعطيكموه من الحلال أكثر مما يعطيكم من الحرام.

وصح عن عبد الله بن مسعود أنه سئل عن رجل يدعو جيرانه إلى طعامه وهو يأكل الربا علانية ولا يتحرَّج من مال خبيث يأخذه، فقال للسائل: أجيبوه فإنما المهنأ لكم والوزر عليه. وروي قريبًا منه عن سلمان الفارسي، وسئل ابن سيرين عن الأكل من مال من يتعامل بالقمار، فأجاب بجواب عبد الله بن مسعود.

وروي في مثل هذا عن عدد من التابعين ومن بعدهم كسعيد بن جبير، والحسن البصري، والزهري، ومكحول، وإبراهيم النخعي، وإسحاق بن راهوية، وآخرين.

وأخيرًا أؤكد للسائل وغيره، أن اجتناب المشتبهات أولى من ارتكابها إذا كان له مندوحة عنها، وإن لم يكن فلا بأس عليه ولا حرج ولا إثم ولا مخالفة، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت