د. فتحي عقوب
تمهيد
المبحث الأول في بيان المراد بفقه المعاملات المالية
المعاملات: جمعُ معاملةٍ، وهي مصدر عَامَلَ على وزن فَاعَلَ، وفَاعَلَ صيغةٌ تدلُّ على المُشاركة كثيرًا: ضَارَبَ، وقَاتَلَ ونحوها ( [1] ) . والتعاملُ بمعنى المعاملة أيضًا. قال في تاج العروس: وعاملتُه في كلام أهل الأمصار يُرادُ به: التَّصرُّفُ من البيع ونحوه ( [2] ) .
وأما في اصطلاح الفقهاء فإنهم يُطلِقونَ هذه الكلمة"معاملات"على التصرفات يُقصدُ بها في الأصل قضاء مصالح العباد كالبيع والكفالة والحوالة ونحوها ( [3] ) . ويشمل هذا المعنى الذي استعمله عامَّةُ الفقهاءِ أيضًا أبوابَ السَّلَم والإجارة والوكالة والشركة والصُّلح والمزارعة والمُساقاة والجعالة والضَّمان والعارية ونحوها من الأبواب والمسائل التي تدخل تحتها وهي كثيرة جدًا. وغالبًا ما يُقصد بهذا المصطلح - على هذا المعنى - المعاملات المالية بشكل خاصٍّ، فلا يدخل فيها فقه النكاح والطلاق ونحوها.
ومن جهةٍ أخرى يُطلقُ لفظ"المعاملات"بمعنى آخر وهو: مقابل العبادات، وهذا استعمالٌ مُنتشرٌ ومَشهورٌ في كتب فقه المذاهب المعتبرة ( [4] ) . والفرق بين المعنيين هو أن المعنى الثاني أشملُ وأعمُّ من السابق؛ حيث يشمَلُ هذا المعنى الواسع معاملات أخرى أكثر كالنكاح والطلاق ونحوها. إلا أن أكثر الفقهاء قد تعودوا إفراد النكاح وما يتبعهُ من أبواب بقسمٍ خاصٍّ به. وبهذا أصبح مصطلح"المعاملات"خاصًَّا بما عدا النكاح وتوابعه.
ولكن عند دراستنا لفقه المعاملات المالية يجب أن نلاحظَ بعض الأمور:
1-أن التفريق بين العبادات والمعاملات في تقسيمات الفقهاءِ لكتبهم ومصنَّفاتهم لا يَعني انتفاءَ معنى التعبُّد في المعاملات واختصاصه بالعبادات المَحضَةِ، لأن كل الأحكام الشرعية في أبواب المعاملات أو العبادات مقصودٌ بها التعبُّد لله تعالى والتقرُّب إليه بالتزام تعاليم الشريعة في كل تصرفات الإنسان وأعماله ومقاصده مهما كانت، إلا أن هذا التعبُّدَ إما أن يكون مَحضًا، وهو ما سمَّاه الفقهاء بقسم العبادات، وإما أن يكون تعبدًا يَظهر فيه تحقيق مصلحة العباد في العاجل أي في الدنيا، ولكن المآل والعاقبة واحدةٌ فكلها أحكامٌ شرعيةٌ من عند الله فلا ينبغي التقليل من شأن هذا أو ذاك.
2-هذا الاصطلاحات المذكورة؛"المعاملات"و"العبادات"لا أثر لها في الأحكام الشرعية، فاختلاف التقسيمات في أبواب الفقه هو من باب الترتيب والتنظيم فقط، ولا أثر له في الأحكام الشرعية.
3-أنَّ أحكام النكاح وتوابعه وأبواب الشهادات والجنايات بأنواعها والحدود وأحكامها والفرائض والوصية ونحوها لا تدخلُ في موضوع دراستنا"فقه المعاملات المالية"رغم وجود معنى التعامل فيها لأنها ليست تصرفات مالية وهذه هي فائدة التقييد بـ"المالية"أي أن أغلب هذه الموضوعات التي سندرسها هنا يكون أحد العوضين فيها مالًا أو منفعةً ( [5] ) .
وأما"المالية"فكما هو ظاهرٌ أي نسبةً إلى المال، والمالُ في اللغة هو: كلُّ ما يُقتنى ويُملَك من كلِّ شيءٍ سواءٌ كان عينًا أو منفعةً ( [6] ) .
وأما في اصطلاح الفقهاء فقد اختلفوا في تحديد معناه على رأيين:
-الرأي الأول: ذهب الجمهور إلى أن المالَ"هو كل ما له قيمةٌ يُلزَمُ مُتلِفَه بضمانه" ( [7] ) .
-الرأي الثاني: ذهب الحنفية إلى أن المالَ هو"كلُّ ما يُمكنُ حيازته وإحرازه ويُنتفعُ به عادةً" ( [8] ) .
ولكن السؤال هنا: ما هو الفرقُ بين التعريفين، وما هو أثر هذا الاختلاف وثمرته الفقهية ؟..
من خلال التعريفينِ السابقينِ - للجمهور والحنفية - نجدُ أن العلماء متفقين على أنَّ الأشياء المادية (المحسوسة) التي يُمكنُ إحرازُها والانتفاعُ بها تُعتبرُ مالًا. وأما الأمور المعنوية كالحقوق كحق الحضانة وحق الشِرب، أو المنافع كالعلم وسُكنى الدَّار واستعمال السيَّارة ولبس الثياب ونحوها فإنها تُعتبر مالًا على رأي الجمهور لأنها يُنتفَعُ بها ويُمكنُ حيازتُها بحيازة أصلها ومصدرها، ولأن المنافع هي المقصودة من الأعيان وهي الغاية منها ولولاها لما صارت الأعيان أموالًا لذلك فهي أموالٌ، وأمَّا على تعريف الحنفية فإنَّ الحقوق المعنويةَ والمنافعَ ليست من الأموال لأنها لا يُمكنُ إحرازُها وحيازتُها عندهم.
ومن الجدير بالذكر هنا الإشارةُ إلى تقسيمات الفقهاء للأموال؛ لأننا نحتاج لهذه التقسيمات أثناء دراستنا لكثيرٍ من مسائل فقه المعاملات المالية، ومن أهم تلك التقسيمات ما يلي ( [9] ) :
أولًا: ينقسم المال إلى مُتَقوَّم وغير مُتَقوَّم، وهذا تقسيمٌ باعتبار إباحة الانتفاع وحرمته:
1-المالُ المُتَقوَّم: هو ما كان في حِيازة الإنسان وأباح الشارعُ له الانتفاع به كالبيوت والسيارات والطعام والثياب والكُتُبُ عند أصحابها.