فهرس الكتاب

الصفحة 19517 من 27345

وهذه النظرة من الفقهاء واقعية، المقصود منها رعاية مصالح الناس ودرء المفاسد العظمى عنهم بالصبر على ما دونها من المفاسد، وهذا يوافق أيضًا قاعدة ارتكاب أخف الضررين، فتحريمهم للخروج في مثل هذه الأحوال نظر منهم لما فيه صالح المسلمين، وليس إقرارًا لجور الحاكم وفسقه، وليس إقرارًا بشرعيته ولا أهليته، فقد تكون شرعيته سقطت ومع ذلك لا يبيحون الخروج عليه إذا كانت الأمور منضبطة بولايته، والكلمة مجتمعة على طاعته، وتطبق هذه القاعدة حتى على الوالي الذي ظهر كفره واستبانت ردته، أو حصل منه ما يوجب سقوط حقه في الطاعة كتعطيله للصلاة، أو لأحد أركان الإسلام، لأن مسألة سقوط شرعيته منفكة عن مسألة الخروج عليه، والذي يقرر هذه أو تلك هم"أهل الحل والعقد"، أعني علماء الأمة الربانيين الذين يقولون الحق ولا يخافون لومة لائم..

هذه الأمور الخطيرة والمسائل الكبار ليست مسؤولية الأفراد ولا المجموعات إنما هي مسؤولية من ذكرنا، فإن لم يكن أهل الحل والعقد قادرين على أن يحلُّوا أو يعقِدوا، فكُنْ حِلْسَ بيتك حتى يقدروا، كن حينئذ من القاعدين حتى يأذن الله بالفرج ؛ لأنه لا خير في الخروج وحمل السلاح في مثل هذه الأحوال، القاعدون فيها خيرٌ من القائمين..

إن الصبر حينئذ، والاشتغال بالدعوة والإصلاح، والهداية والبيان وتعليم الناس دين الله، خيرٌ وأحسن تأويلًا..

قال الحسن البصري رحمه الله:"والله لو أن الناس إذا ابتُلُوا من قِبَل سلطانهم صبروا ما لَبِثُوا أن يرفع الله عز وجل ذلك عنهم، وذلك أنهم يفزعون إلى السيف فيوكَلُون إليه، والله ما جاءوا بيوم خيرٍ قط، ثم تلا: ( وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ ) [ 137/ الأعراف ] (13 ) ."

فإذا قيل: فمتى نجاهد إذن ؟

أقول: الجهاد والقتال لا يكون إلا تحت راية إمام شرعي، أي دولة إسلامية تتبنَّى الجهاد، وقد كانت وَمَضَتْ لأهل أفغانستان ومن كان بها من المجاهدين وَمْضَةٌ مضيئة أتاحتْ لهم فرصةً ثمينة، هي تأسيس دولةٍ شرعيةٍ مجاهدةٍ ؛ وهي حكومة"الطالبان"، فليتهم عرفوا كيف يحافظون عليها ولم يستعجلوا حتى تقوم على ساقيها، وتجمع كلمة قومها وتصلح من حالهم، فإذا ما تم لها ذلك تبدأُ بجيرانها فتساعدهم على التحرُّر من حُكْم الكَفَرةِ من الصينيين الشيوعيين، وأذناب الروس وبقاياهم، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً ) [123/التوبة] وإذ قد وقع ما وقع وقضى الله أمرًا كان مفعولًا فقد وجب على أهل"أفغانستان"جهاد"الدّفع"مرة أخرى، لإنفاذ بلادهم من الاحتلال؛ ولإعادة حكم الإسلام، وحتى يتمكّنوا من ذلك عليهم أن يكفوا عن مقاتلة العالم أجمع.

وجهاد"الدفع"قائم اليوم في عدد من بلاد العالم الإسلامي: مثل فلسطين، وكشمير، والشيشان.. فالواجب على من يقدر نصرةُ إخوانه المُعتدَى عليهم بدلًا من أن يفتح جبهاتٍ جديدة لا قِبَل للمسلمين بها وهم في هذه الأحوال من الضعف والتفكك وغياب القيادة.

وفيما سوى ذلك على المؤمن أن يصبر عن القتال ويشتغل بالدعوة، لقد صبر الصحابة ثلاث عشرة سنة على طغيان المشركين وقهرهم، وأحيانًا عندما كانت تضيق صدور بعضهم فيواجهون النبي صلى الله عليه وسلم بالسؤال: إلى متى ؟! كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرهم بالصبر، كما أُمِر هو بالصبر فصبر صلى الله عليه وسلم، ولما اشتد عليه إيذاء المشركين وقهرهم قال له ربه عز وجل: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ ) [35/ الأحقاف ] .

أي لا تستعجل لهم العقوبة.

المقالة التالية

أزمة القيادات في العالم الإسلامي

(1 ) من عبارات شيخ الإسلام ابن تيمية [ مجموع الفتاوى 13/96 ] .

( 2) انظر مجمع الزوائد [ 1/62 ] .

( 3) النهاية [ 1/92 ] .

( 4) انظر السيرة النبوية لابن هشام 1/321 [ طبعة الحلبي 1375هـ ] .

( 5) تفسير ابن كثير ( 1/571 ) .

(6 ) متفق عليه: انظر اللؤلؤ والمرجان / لمحمد فؤاد عبد الباقي / ص14.

( 7) نفس المصدر / ص811.

(8 ) نفس المصدر / ص809.

(9 ) أبو داود [ السنن 4/99-101 ] .

(10 ) نفس المصدر.

( 11) الشريعة للآجري / ص38.

( 12) الشريعة للآجري / ص39.

(13 ) الشريعة للآجري / ص38.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت