فهرس الكتاب

الصفحة 25585 من 27345

البروفسور ديتيران*

بعد أسابيع طويلة من اندلاع أزمة الرسوم الكاريكاتورية المسيئة إلى النبي محمد ما زلنا نتساءل عن الدوافع الحقيقية التي تقف وراء القضية، خاصة وأننا ألفينا بعض الجهات الغربية وأخرى إسلامية تبذل جهدها من أجل استغلال القضية، مما أدى إلى إفلات المسألة من عقالها. وتابع الكثير هنا في الغرب تطورات الأحداث وكأنهم تعذر عليهم الاتزان أمام هذا الكوم الهائل من الحجج والبراهين والمواقف الغريبة الشكل. وفي المقابل، صدرت عن الجانب العربي والإسلامي ردود فعل لم تقل في كثير من الأحيان غرابة وإثارة للشك من المواقف الغربية.

على الصعيد الغربي، سمعنا القيمين على الجريدة الدانمركية صاحبة مبادرة الكاريكاتير المشؤومة ومعها وسائل الإعلام التي أعادت نشر الرسوم، تبادر بالقول أنها تدافع عن حرية التعبير وحقها في تعاطي جميع المواضيع دون رقابة بما فيها المحرمات الدينية. وسرعان ما انضمت إلى هذا الموقف مجموعة واسعة جدا من السياسيين والمفكرين والقطاعات الاجتماعية التي شجبت المظاهرات الصاخبة"المنظمة"في بعض الدول الإسلامية والدعوات إلى مقاطعة البضائع الدانمركية والأوروبية وما تخللها من أعمال الاعتداء (المحدودة) على السفارات والبعثات الأوروبية في البلاد الإسلامية. وتفاوتت شدة هذه المواقف من بلد أوروبي إلى آخر فالقضية تأججت بشكل ملفت في الدول الاسكندينافية وفرنسا وربما ألمانيا بينما لم تتجاوز حدود النقاش العلني خلال عدد من الأسابيع في بلدان أخرى كإسبانيا. وبمعزل عن أحقية عرض هذه الرسوم والدعوة إلى احترام جميع الآراء فإن المبادرات الأوروبية السياسية والثقافية والاجتماعية والإعلامية التي شددت على إعادة نشر الرسوم وطرح قضية حرية التعبير، علاوة على ما زُعم عن معاداة الدين الإسلامي للتسامح وتعدد الآراء، تحمل في أحشائها تناقضات كثيرة يصعب على المراقب المحايد التجاوز عنها. فلم نلبث أن علمنا أن الصحيفة الرائدة في نشر الرسوم فعلت ذلك بعد أن وجه مفكر دانمركي دعوة مفتوحة إلى القراء من أجل إرسال رسوم تصور رسول الإسلام تصويرا ساخرا. وإن صح هذا الخبر وفعلا لقد أكده جامع الرسوم ذاته فإن المسألة لا ترتبط بعمل فني تلقائي ينبع من منطلقات فكرية وثقافية مستقلة وإنما هي متعلقة بمحاولة مبرمجة تهدف إلى إحداث البلبلة. ومما يدعو إلى التأمل والحسبان أن صاحب الملف نفسه اعترف بأن الفكرة طرأت عليه بعد أن تناهى إلى سمعه أن دارا من دور النشر أخفقت في إيجاد رسام واحد يقبل تصوير النبي محمد. ومرة أخرى يجب أن نسأل عن أسباب هذه الدعوة الغريبة وكأن تصوير مرسل من مرسلي الأديان التوحيدية فريضة من الفرائض على روّاد فن الكاريكاتور الحديث، ولا بد أن يشار هنا إلى أن الفن التصويري الغربي يزخر بسوابق عديدة تم فيها تصوير النبي محمد بطريقة مشينة ومجحفة في غالب الأحيان، كما تحفل الأدبيات الأوروبية بأوصاف وهمية لمظهر النبي محمد وحتى طباعه الأخلاقية وتُعدّ الكوميديا الإلهية للكاتب الإيطالي دانتي ألياري أحد الأعمال الأكثر تركيزا على النقطة. لذلك لا يجوز الادعاء بأن الفنون الغربية امتنعت في وقت من الأوقات عن مثل هذه المقومات التصويرية، وذلك على الرغم من أن الدين الإسلامي يحظر تمثيل خاتم الأنبياء بأي شكل من أشكال. ومن يشك في ما نقول نحيله إلى الكتابات واللوحات وحتى النقوش المنتجة في أوروبا من العصور الوسطى إلى يومنا هذا فالأمثلة متوفرة. لذلك لا نفهم الحجج والبراهين التي ساقها المدافعون عن حق التعبير. ونزداد حيرة إذا أخذنا بعين الحسبان أن غالبية الجهات الأوروبية المصممة على إعادة نشر الرسوم المشؤومة تمتنع كل الامتناع عن نشر آراء وأقوال ومواقف تهين معتقدات وشخصيات يرفضون المساس بها. فالجريدة الدانماركية صاحبة المبادرة كانت قد رفضت سابقا نشر رسوم تتطاول على المسيح رسول الدين المسيحي الأعظم، كما أن هناك وسائل إعلام متدينة منسوبة إلى التيار المسيحي الأقل اعتدالا أقدمت على احتضان القضية من أجل رعاية حرية الرأي، بينما هي تأبى وتشجب أي مظاهر تحسبها معتدية على منطلقاتهم العقائدية. وعلى الصعيد السياسي لا بد أن نذكر ردود الفعل المتصلبة للحكومة الدانماركية قبل انفجار الأزمة إذ استمعنا إلى تصريحات رسمية غير لائقة حول الإسلام والمسلمين في أوروبا هي بعيدة كل البعد عن الكياسة الدبلوماسية المألوفة لدى دول الشمال الأوروبي. وكان الأولى بالحكومة أن تدافع عن حق الجرائد المحلية في نشر ما تراه مناسبا والامتثال إلى القضاء حالة انتهاكها الآداب أو مشاعر المؤمنين فهذا أمر منوط بالمحاكم، وليس العمل على تحويل القضية إلى قضية سياسية تتطلب تدخلها الشخصي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت