فهرس الكتاب

الصفحة 15120 من 27345

حامد بن عبدالله العلي

كان الإعياء قد أخذ من المجاهد تلك الليلة كلّ مأخذ ، عندما آوى إلى خندقة وفيه غريفة صغيرة قد وضع فيها حاسوبا ، ليكتب التقارير الجهادية عن سير العمليات ، وأحسّ بحاجة إلى إغفاءه ، فوضع سلاحه"الكلاشنكوف"على منضدة عارية من كل شيء ، إلا من ذلك الحاسوب الذي يحس بغربة في ذلك المكان ، كغرفة المجاهد في هذا الزمان ، وضعه بجانب"لوحة المفاتيح"، فهو يلمع في ظلمة لا يكاد المصباح الصغير في سقف الغريفة قادرا على تمزيقها ، وقد بدت تلك الظلمة وكأنها تخيم على الكون أجمع ، والكواكب متلفعة بأردية السحب ، وزخات المطر متواصلة في خيوط متصلة ، ونغمة واحدة ، كأنها اتفقت على أنشودة حالمة يطمئن في إيقاعها الهادئ المجاهد لينام ويستريح .

في وسط فلوجة العزة كان ذلك المكان ، في أحياءها القديمة الشاهدة على تاريخ حضارة الإسلام المجيدة في العراق ، وقد غدت الفلوجة اليوم فالجة الكفار الصليبين ، ولقد خبأ لها الله تعالى هذا الشرف في دورة الدهور ، فهي فرحة به اليوم فرحا لا يوصف ، ترقص طربا كطائر يخفق جناحاه في ترقرق صفحة الهواء ، يغرد تائها بين عبق الزهور .

كان هذا المجاهد مسؤولا عن حصر العمليات الجهادية وجمعها في تقارير متناسقة ، لنشرها في وسيلة الإعلام الوحيدة الممكنة لنشر أخبار الجهاد الإسلامي الذي اشتعل اشتعال النار ف الهشيم في الأرض كلّها ، تلك الشبكة العنكبوتية ، التي سُخِّرت في وقت لم يحسب له أعداء الإسلام حسابا ، فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا ، بعد أن تحولت وسائل الإعلام الرسمية كلها إلى أبواق للصليبية الغازية بلاد الإسلام .

فهي تارة تسمّى احتلال بلاد الإسلام تحريرا ، وتارة تلبّس على المسلمين محاولة طمس وجه الحق الأبلج ، وهو أن الساحة العالمية تشهد صراعا بين الصليبية المتصهينة المتهوّدة مع الصهاينة اليهود ، للهيمنة على العالم الإسلامي ، ليردوا المسلمين عن دينهم، وليس في كنانة أحد مشروع لصدهم إلا أهل الجهاد طليعة أمة الإسلام .

تلبّس على المسلمين الحق بالباطل زاعمة: أن الصراع اليوم إنما هو بين"إرهابيين"، ومجتمعاتهم ، بين طائفة تريد أن تخرب ديار الإسلام ، ودول تريد أن ترقى بهذه الأمة نحو العز والتمكين ، في محاولة يائسة لطمس الحقيقة ، وخلط الأوراق ، وقلب حقيقة المعركة .

غير أن صنيع هذا الإعلام الكاذب الخائن قد بدا ظاهرا للعيان ، لاتخفى منه خافية ، بعد أن جعلت تلك الدول ، أرض الإسلام مرتعا للمعسكرات الصليبية تغير منها جيوش الصليب على بلاد الإسلام ، ممهدا للاجتثاث دين الإسلام منها ، ثم تأوي إلى تلك المعسكرات وهي في مأمن إذ هي في حراسة تلك الدول ، قد سخرت أبناء المسلمين لحمياتها ، وبعض شيوخ الدين لجعل خططها في حماية شريعة الله تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا ، كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا .

غطّ المجاهد في نوم هانئ ، وكيف لا يهنأ وهو بين أعظم حسنيين ، النصر أو الشهادة ، وهي أعظم النصر أيضا ، فهو ينام وقد امتلأ جفناه من حلاوة النصر ، وانشرح صدره بالرضا عن نفسه ، واطمأن قلبه بسلامة المنهج الذي يسير عليه ، أليس هو على ذرة سنام الإسلام ، وأي مقام أشرف من هذا المقام .

وقد كانت"لوحة المفاتيح"تلك ، تزهو في بهجة ممزوجة بالفخر والخيلاء ، كلما نقرت تلك الأصابع المباركة عليها مبشرة بأخبار الجهاد ، غير أنها هذه المرة .. ولأوّل مرة .. تشعر بالغيرة من"الكلاشنكوف"، فقالت هامسة ما تظن أن أحدا يسمعها: ترى هل هذا أسعد مني حظا ، بنصر الإسلام ، أم هو أرفع مني منزلة فيه ، أم المجاهد يحبّه أكثر منّي ؟!

وبينما هي تنظر إليه تلك النظرات ، وتهمهم بتلك الكلمات ، إذا هو ينطق هذه المرة على غير عادته في النطق ، فقال وهو يغض بصرا ..مُسّيت خيرا يا أمة الله .

قالت: ويْ ..واحتجبت عنه .. ما كنت أظنك تنطق بغير النار .

قال: بلى .. لا أنطق بالنار إلا مع الكفّار أهل النار .. لامع المسلمين والأخيار ، ألم تسمعي قوله تعالى ( أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ) ..

لكن أخبريني: ما هذا الذي حدثتك نفسك به ؟

قالت: وما أنت وذاك ؟

قال: دعينا نقطع هذا الليل في حوار مفيد ، فالصبح عنا بعيد ، وليس صاحبنا بحاجة إلينا هذا المساء .

قالت: إني والله أولى بالفضل منك ، فبي تنطلق كلمات الإسلام ، ومن حروفي الدعوة إليه ، وعلىّ بعد الله اعتمد الدعاة ، وامتلأت ديار الإسلام بالهداة ، وأُمر بالمعروف ونُهي عن المنكر ، وبسببي هدى الله الخلق ، وظهر الحق ، واندحر الباطل ، وانقطع المعاند المجادل ، وأما أنت .. فما أنت ؟! .. حديدة لاتفقه علما .. ونار تزمجر لا تغنم شيئا ، ولا تجلب فيئا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت