حرية العقيدة وحرية الرأي
بين الدقة والوضوح وبين التفلت والغموض
بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي
اعتاد عدد غير قليل من المسلمين أن يستخدم مصطلحات عامة لا يرافقها تحديد ووضوح ، ثم تتحول هذه المصطلحات إلى شعار لا يحمل الدقة كذلك ، ولا المنهج ، ثم ينتشر بين الناس حين يلامس رغبة في النفوس أو مجالًا للتنفيس عما في نفوسهم من ضغط وحيرة وآمال مضطربة ، فيصبح الواقع كله يعيش في أجواء من الشعارات والتعبيرات العامة خالية من النهج أو تحديد الدرب والمسار ، وتطوى قضايا الأمة في خضم الشعارات دون بلوغ هدف أو تحقيق غاية .
إن انتشار هذه الظاهرة من المصطلحات العامة يوحي بعدم وجود نهج أو خطة واضحة في أذهان مختلف القطاعات .
ويزداد الأمر سوءًا حين تصبح هذه المصطلحات العامة قاعدة لتحديد موقف أو اتخاذ قرار أو إصدار اجتهاد وفتوى ، ويصبح هذا الموقف أو القرار أو الاجتهاد مصدرًا لاضطراب أوسع أو خلافات وشقاق .
ومن أبرز الأمثلة على هذه المصطلحات العائمة"حرية العقيدة وحرية الرأي"وقد دأب على استخدام هذه المصطلحات بعض دعاة المسلمين وانتشرت بين الناس على أنها مطلب حضاري ينادون به . ماذا تعني"حرية العقيدة"، وماذا تعني"حرية الرأي"، وكيف تُمارس وتُطبق ؟! .
اعتقد أنها مصطلحات وافدة من الغرب العلماني الذي يقوم على تصورات خاصة مغايرة للإسلام ، ولو رجعنا إلى الكتاب والسنة لا نجد مثل هذه التعبيرات. ولو رجعنا إلى أئمة الإسلام في العصور التي كان يحكم فيها الإسلام لا نجد مثل هذه التعبيرات لقد جاء الكتاب والسنة في غاية الدقة والوضوح والتفصيل في استعمال التعبيرات والمصطلحات ، وتعلم أئمة الإسلام هذه الدقة والوضوح فيما يستخدمونه من مصطلحات أو فيما يستحدثونه .
جاء الإسلام ليدعو إلى عقيدة واحدة ودين واحد ، وحمَّل الإنسان مسؤولية اختيار الإيمان والتوحيد والإسلام أو سواه ، ولكل اختيار نتيجة في الدنيا والآخرة ، الإسلام يدعو الناس كافة إلى الإسلام ، وفرض القتال والجهاد من أجل ذلك ، ونفر من الكفر ومن أي دين غير الإسلام ، وأنذر الكافرين بعذاب شديد ، وجعل النار مصير من يموت منهم على الكفر ، مع ابتلاء شديد في الدنيا ، ووعد المؤمنين بالجنة لمن صبر والتزم ، ووعد الصادقين العاملين المجاهدين بالنصر .
هذا الذي يدعو إليه الإسلام ، فهل تعبير حرية العقيدة الذي يطلقونه اليوم يحمل هذه المعاني ، أو هل هذا الذي يدعو إليه الإسلام يماثل"حرية العقيدة". الإسلام ينظر إلى الكافرين وغير المؤمنين الصادقين أنهم يتساقطون في النار ، في نار جهنم ، هذه حقيقة أكيدة ويقين بالنسبة للإسلام ، فهل يعقل أن يترك الناس ليتهاووا في جهنم ؟! إذن لماذا بعث الله الرسل على مدى الزمان وختمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ، ولماذا شرع القتال والجهاد في سبيل الله حتى تكون كلمة الله هي العليا .
دين الله:
الإسلام جاء ليجتث الكفر من الأرض ولينشر الإسلام دين الله . دين جميع الرسل والأنبياء ، الدين الذي لا يقبل الله غيره ، فهل يُعقل بعد ذلك أن ينادي الإسلام ويقول يا أيها الناس خذوا أي عقيدة تريدون وأي دين ترغبون فلا بأس في ذلك !! (( إنْ الدين عند الله الإسلام ) ) [ آل عمران:19] . ! (( ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ) ) [ آل عمران: 85 ] .
هنالك فرق كبير بين أن يُحمّل الله كل إنسان مسؤولية اتخاذ قرار اختيار دينه وعقيدته ، بعد أن يكون رسله قد أبلغوا الرسالة كاملة ، وأنذر من خالف بعذاب الدنيا والآخرة. وبشر الصادقين بخير الدنيا والآخرة. وبين أن يترك الأمر في حرية عائمة مائعة ، تغري الناس بالكفر والفتنة والفساد أكثر مما تغريهم بالإيمان والإسلام .
فارق كبير بين حرية اختيار العقيدة والدين والحرية التي تغري الناس بالكفر والفتنة:
ليست القضية من حيث المبدأ انفلات حرية العقيدة ولا الدعوة لها ولا سن القوانين من أجلها إن القضية بالنسبة للإسلام أعظم من ذلك بكثير وأخطر من ذلك بكثير ، إنها تتمثل في النقاط التالية:
أولًا: إنقاذ الإنسان من هلاك محقق وعذاب في جهنم شديد إذا مات على الكفر .
ثانيًا: تهيئة الأجواء التي تعين على الإيمان والتوحيد والإسلام ، وترغيب الناس بهذا الحق واليقين ، وإخراجهم من الفتنة والضلال والباطل ، وإخراجهم من الظلمات إلى النور .
ثالثًا: سد أبواب الفتنة والضلال والكفر ، والفساد والأهواء والشهوات المتفلتة ، واتخاذ الأسباب اللازمة لحماية فطرة الإنسان ، الفطرة التي فطر الله الناس عليها لتكون منطلق الإيمان والتوحيد ، قادرة على استقبال رسالات الأنبياء والدين الواحد .