تأليف: د. ياسر برهامي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله.
أما بعد:
فهذه القصة العظيمة التي وردت في عدة مواضع من القرآن، وجعلها الله عز وجل موعظة للمتقين، كما قال سبحانه وتعالى: (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ) [البقرة:65، 66] ، فكل من اتقى الله عز وجل وعلم هذه القصة، فهو ينتفع بها ويتعظ، ويعلم أهميتها في حياة المسلمين عمومًا وخصوصًا.
هذه القصة وإن وقعت لأمة غير أمتنا فقد وقعت في جماعة من بني إسرائيل وإن لم يكن زمنها هو زمننا، إلا أننا نتعلم من قصص القرآن دائما كما ذكر الله عز وجل أنه عبرة لأصحاب العقول (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ [يوسف: 111] ، فلا بد أن نتعلم، ونستفيد، ونطبق هذه القصص علي واقعنا وعلي حياتنا، وليس فقط أن نجعلها مجرد حكاية للتسلية.
فالله عز وجل ليس بينه وبين خلقه نسب، بمعني أكان لأن من فعل مثلما فعل الأولون استحق مثل جزائهم فمن اتقي الله سبحانه وتعالي نال جزاء المتقين السابقين، ومن أعرض عن ذكر الله سبحانه وتعالي وترك ما أمره الله عز وجل به أو كفر أو فسق أو ابتدع، أو عصي الله عز وجل نال جزاء السابقين له الفاعلين ذلك.
ولقد كان الصحابة رضي الله عنهم يستفيدون أعظم الاستفادة من قصص القرآن وخطابه عن السابقين، ولا يمنعهم أن نزول الآيات كان لأقوام غيرهم من أن يحذروا الشر الذي ذموا به وأن يقتدوا بالخير الذي مدحوا.
فهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتورع عن كثير من طيبات المآكل والمشارب ويتنزه عنها ويقول إني أخاف أن أكون كالذين قال الله لهم و وبخهم وقرعهم (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا [الأحقاف:21] مع أن الآية بلا إشكال في الكفار كما ينص على ذلك أولها(وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ..) ، ولكن الفهم العميق للصحابة رضي الله عنهم دلهم على أن الذم للكفار كان على أعمال وصفات معينة فمن شاركهم في بعضها استحق بعض جزائهم وغن لم يكن كافرًا مثلهم.
وهذا حذيفة رضي الله عنه يسأل عن قول الله عز وجل: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) [المائدة: 44] قالوا نزلت في بني إسرائيل؟ فقال متهكمًا على من يريد تخصيصها بسب نزولها:"نعم الأخوة لكم بنو إسرائيل أن تكون لكم كل حلوة ولهم كل مرة"، مع أن سياق الآيات وسبب نزولها في شأن اليهوديين الذين زنيا، وكذا قال الحسن رحمه الله:"نزلت في أهل الكتاب وهي لنا واجبة"، وكذا النخعي:"نزلت فيهم ورضيها الله لهذه الأمة"، فهذه أسباب عظيمة من أبواب الفهم في القرآن تميز به السلف رضوان الله عليهم وحرمه الكثيرون الذين قصروا أنفسهم على الانتفاع بما خوطبت به الأمة الإسلامية مدحًا أو ذمًا أمرًا أو نهيًا فغاب عنهم خير عظيم لا يقدره.
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في فوائد قصة ذات أنواط في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن قال له أجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط قال صلى الله عليه وسلم:"الله أكبر إنها السنن قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: (اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) [الأعراف: 138] لتتبعن سنن من كان قبلكم".
قال في فوائده أن ما ذم الله به اليهود والنصارى فهو لنا أي نحن مخاطبون به ومن فعله منا كان مذمومًا مثلهم.
ذلك أن كثيرًا من الناس قد يظن ما ذكره الله عن الماضيين أنه ليس لنا ويقول: وما لنا ولهؤلاء؟ وهذا باطل فإن أسلوب الصحابة رضي الله عنهم في القرآن وتطبيقه لم يكن أبدًا كذلك فإنهم كانوا يرون أن ما خوطب به السابقون خطاب لنا كذلك ألم يتعلموا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال له بعض الناس أجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط قال صلى الله عليه وسلم:"الله أكبر إنها السنن قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى (اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ فقال: فمن".