فهرس الكتاب

الصفحة 309 من 27345

دراسة في تفاسير الرازي وابن عاشور وسيد قطب (1/4)

د. بدران بن الحسن 24/12/1424

مقدمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من دعا بدعوته إلى يوم الدين، وبعد؛

فإن مسألة العقيدة في الله من أهم القضايا التي لقيت عناية بالغة من القرآن الكريم، ولقد أكد القرآن ذاته أن رسالة الأنبياء جميعا كان محورها الدعوة إلى إخلاص العبودية لله تعالى بتوحيده ونفي الشركاء عنه {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} ، وما من نبي إلا ودعا قومه إلى عبادة الله وحده {يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} .

غير أن الإنسان، الذي {كان ظلوما جهولا} ، وكان {أكثر شيء جدلًا} ، سرعان ما ينسى هذه الحقيقة التي هي أم الحقائق التي تحتاج إلى كبير عناية، فحدث الانحراف من أول وهلة ترك الإنسان يواجه مصيره، كما حدثت التوبة من الله على هذا الإنسان لما تاب وأناب ورجع إلى ربه، {فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم} ، ولهذا كانت سلسلة النبوة مستمرة مع الإنسان تعمل على تربيته، ولقد أحاط الأنبياء عليهم السلام البشرية برعايتهم، وأرشدوا الناس إلى سواء السبيل، وارتقى الوحي بالبشرية إلى أن اقتضت الحكمة الإلهية أن ترسل إلى الناس بالرسالة الخاتمة التي تستمر مع الإنسان إلى يوم الساعة، هذا اليوم الذي جاءت الرسالة الخاتمة وهو يسابقها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {بعثت أنا والساعة كهاتين} ، ولهذا تضمن القرآن الكريم الأدلة القاطعة على وحدانية الله تعالى، وفصل في انحرافات الأمم السابقة في عقيدتها، وكان القرآن قد فصل في انحرافات أهل الكتاب بشكل كلي، حيث تناول نقض اعتقادات اليهود، كما نقض اعتقادات النصارى القائمة على التثليث.

وهذا البحث محاولة لتناول آراء بعض المفسرين فيما يتعلق بتفسيرهم لآيات القرآن التي تتحدث عن عقيدة النصارى في الله تعالى وفي عيسى عليه السلام. وقد وقع الاختيار على كل من فخر الدين الرازي، ومحمد الطاهر بن عاشور، وسيد قطب، على اختلاف أزمانهم وخلفياتهم، والقصد من ذلك محاولة استخراج بعض القواعد المنهجية التي استعملوها في الرد على هذه العقيدة الضالة، من خلال النظر في القرآن الكريم.

ومن أجل إنجاز هذا البحث فإني قد قمت بتقسيمه إلى تمهيد وثلاثة مباحث وخاتمة، تناولت في التمهيد عقيدة التثليث عند النصارى؛ ماهيتها، وجذورها، وتطورها، وفي المبحث الأول تناولت الفخر الرازي؛ موجز عن حياته، ومنهجه في رد اعتقادات النصارى، وقواعد هذا المنهج، أما المبحث الثاني فتناولت فيه ابن عاشور؛ موجز عن حياته، ومنهجه، وقواعد منهجه في الرد على النصارى، وأما المبحث الثالث فتناولت سيد قطب؛ في موجز عن حياته أيضا، ومنهجه، وقواعد منهجه، ثم الخاتمة، ومراجع البحث.

أسأل الله العلي القدير أن يجعل عملي متقبلا عنده، وأن يكرمنا بالتحقق بالتوحيد، والالتزام بحقيقته، والسير على نهجه، فهو نعم المولى ونعم المجيب.

تمهيد:

أ- عقيدة التثليث عند النصارى:

بُعث عيسى بن مريم عليهما السلام إلى بني إسرائيل داعيا إلى الهدى والحكمة، ومناديا بإتباع شريعة موسى عليه السلام … وابتداءً إلى عبادة الله الواحد الأحد، ولم يرد ذكر التثليث البتة، لا في العهد القديم ولا في العهد الجديد، ولا حتى الأناجيل المحرَّفة.

غير أنه بظهور شخص بولص تحولت مفاهيم التوحيد عند بني إسرائيل من التوحيد الخالص المطلق الذي عرفوه في العهد النوحي والعهد الإبراهيمي والعهد الموسوي، وانحرفت إلى الدعوة إلى القول ببنوة النبي عيسى عليه السلام (أي أنه ابن الله في زعمهم) كما ورد في أعمال الرسل:"كان شاول مع التلاميذ … وللوقت جعل يكرز في المجامع بالمسيح أن هذا هو ابن الله" (1) . وكما أورد الرازي أيضا،"قال بولص: ما كان عيسى إنسانا ولا جسدا ولكنه الله" (2) . وذلك لأسباب تاريخية بحتة مثل الاضطهاد الذي كان يلاقيه اليهود آنذاك على أيدي الرومان، الأمر الذي أدى بهم إلى أن يزعموا أنهم أبناء الله المخلصين، لأن المسيح فيهم هو ابن الله الوحيد.

وتطور القول بالتثليث أكثر فأكثر بدخول الوثنيين -في هذه الدعوة العالم (3) . - في النصرانية؛ من رومان، ويونانيين، ومصريين. فنقلوا معهم عقيدة التثليث المتأصلة في نفوسهم. فتطور الأمر من القول بالبنوة إلى التأليه، ومن ثمة كان التثليث ثمرة الاحتكاك بالعقائد الوثنية، والاتصال بها، بغية أن تكون الدعوة العيسوية دعوة عالمية حيث حاول أصحابها التأكيد على ما في العقائد الوثنية المعروفة آنذاك، لئلا يحدث التصادم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت